خاص | عروب حمّود
تتفاقم ظاهرة الكلاب الشاردة في أحياء حمص وسط محاولات مستمرة من قِبل مبادرات شبابية وأهلية للتعامل مع هذا الملف بأساليب علمية وإنسانية. حيث تجتمع الرؤية الميدانية للجمعيات الأهلية مع الخبرة الطبية البيطرية لتقديم خطة تهدف إلى الحفاظ على الصحة العامة وضمان التوازن البيئي في آن واحد.
تبدأ القصة من شغف شخصي تحول إلى عمل مؤسسي منظم، إذ توضح آية بكور، رئيسة مجلس إدارة جمعية “بيت الحيوان الأليف” بحمص، أن الفريق انطلق من حب للحيوانات ولد معها بالفطرة وكبر بمرور الوقت، وكانت النقطة الفاصلة عندما جلبت قطة إلى منزلها وقررت معالجتها، ما قادها لتأسيس فريق تطوعي عام 2021 حصل على الإشهار الرسمي في عام 2022. وكان دافعها الأساسي البحث عن حلول بديلة ومجدية بدلاً من قتل الحيوانات بالشوارع، إذ اعتمدت بعد مراجعة التجارب والدول المتقدمة خطة عمل متدرجة لمعالجة الأزمة.

تعتمد هذه الخطة على أساليب التعقيم والتطعيم لحصر الأعداد، إذ أجرى فريق جمعية “بيت الحيوان الأليف” حتى شهر أيلول من عام 2026 بين 400 و500 عملية تعقيم. كما نفذ دراسة شملت 1800 كلب شارد، تضمنت مراحله من اللحظة الأولى للالتقاط والنقل، مروراً بالتعقيم والتلقيح والترميز وفترة النقاهة، وصولاً إلى إعادة التوطين، وذلك بكلفة إجمالية وصلت إلى نحو 85 ألف دولار.
وعن الجانب الجراحي والطبي للتعقيم، يقول الطبيب البيطري اختصاصي الحيوانات الأليفة الدكتور معتز جانسيز لـ “الدليل” أنه لا يوجد أية فروق جراحية بين تعقيم الكلب الشارد والكلب المنزلي، وإنما يكمن الاختلاف في آلية المتابعة بعد العملية. وتستغرق عملية التعقيم للذكور بين ربع ونصف ساعة، بينما تتطلب الإناث نحو ساعتين وتختلف التكلفة بحسب وزن الحيوان نظراً لارتفاع سعر المادة المخدّرة. وتصل تكلفة تعقيم الذكور إلى ما بين 200 و300 ليرة سورية، بينما ترتفع لدى الإناث لتتراوح بين 700 و800 ليرة سورية. ولهذا السبب، تعتمد المبادرات الخيار الأكثر ملاءمة مادياً وأسرع تنفيذاً عبر التركيز على تعقيم الذكور كخطوة أولوية للحد من النسل.
كما يقدم الدكتور جانسيز تحليلاً سلوكياً للنتيجة، مشيراً إلى أن عملية التعقيم تؤدي تلقائياً إلى خفض مستوى العنف لدى الكلاب نتيجة تراجع الهرمونات الذكرية، فلا يعود الكلب يبدي أي سلوك عدائي إلا في حالات الخوف الشديد.
وبعد إجراء التعقيم، تحدد الجمعية مسار كل حالة بناءً على دراسة دقيقة لتصرفاتها وسلوكها؛ فبعض الكلاب يُعرض للتبني بعد التلقيح ويُنقل إلى المزارع، وبعضها الآخر يُطلق سراحه في الطبيعة. أما الكلاب الشرسة التي لا يمكن إعادتها فوراً إلى الشارع، فيُعمل على ترويضها وحجرها لأن شراستها تكون غالباً ناتجة عن ظروف قاسية مرت بها.

المخاطر البيئية للقتل العشوائي
تقف القضية اليوم أمام تحذيرات بيئية وصحية خطيرة تتعلق بأساليب القتل العشوائي المتبعة في بعض المناطق. وتشدد آية بكور على أن قتل الكلاب الشاردة أمر حرمته الشريعة ولا يملك أحد حق البت بقطع حياة كائن حي، فضلاً عن أن القتل العشوائي يفاقم المشكلة ولا يحلها. لافتةً إلى أنه عند استهداف الكلب ببندقية صيد كسرية، لا يموت فوراً بالطلقة بل يستمر بالنزف لثلاثة أو أربعة أيام، ومن شدة الألم قد يعض الكلاب المجاورة أو يهجم على البشر، ويعاني حتى الموت. مضيفةً أن ترك الجثث في مكانها يسبب تحللها وانتشار الروائح الكريهة والحشرات، يلحق ضرراً بيئياً مباشراً. وتؤكد بكور أن اللجوء للقتل يأتي من غياب الفهم العلمي للتوازن البيئي، إذ إن تفريغ منطقة كاملة من الكلاب يحدث خللاً بيئياً كبيراً، ولو كان هذا الأسلوب ناجعاً لاعتمدته دول العالم. وبدلاً من ذلك، يمكن الاستفادة من تجارب دول عربية مجاورة طبقت برنامجاً شاملاً للتعقيم والتلقيح والترميز ثم إعادة التوطين.

الوقاية الصحية والتصدي لداء الكَلَب
وفي إطار الصحة العامة، تبرز قضية الوقاية من الأمراض المتبادلة وعلى رأسها داء الكَلَب. يوضح الدكتور معتز جانسيز أن داء الكَلَب يُعد من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وهو مرض لا يمكن الشفاء منه ما لم يُعالج فوراً خلال مدة لا تتجاوز 24 ساعة، سواء للإنسان أو للحيوان. وهذا يتطلب توفير تمويل مستمر لتطعيم الكلاب الشاردة قبل إعادتها للشارع، ووضع علامة أو لصاقة على أذن الكلب المعقم والمطعم لتأكيد سلامته وطمأنة الأهالي. وتتراوح كلفة اللقاح للحيوان بين 3 و5 دولارات، بينما تصل كلفته للإنسان إلى نحو 100 دولار. وكان من المفترض أن يكون متوفراً مجاناً وبدعم حكومي للأهالي وللكوادر العاملة في الملاجئ والأطباء، إلا أنه اليوم غير متوفر.
أما بالنسبة للمخاوف والتخوفات الشعبية، فتؤكد آية بكور أنه لا يمكن تجاهل خوف الناس أو الفوبيا التي يعانون منها عند رؤية كلب أمام منازلهم، بل يجري العمل على تطمينهم تدريجياً وإطلاعهم على خطة الترويض والعلاج. وتطمئن بكور الأهالي بأن غالبية الأمراض التي تصيب الحيوانات، مثل مرض الكالسي عند القطط، هي أمراض خاصة بالحيوانات ولا تنتقل للبشر إطلاقاً باستثناء بعض الأمراض الجلدية كالفطور. كما أن أعضاء الفريق يلتقون اللقاحات الدورية، ويتم حجر أي كلب مريض أو عدائي حتى شفائه تماماً قبل إعادة إدماجه.

عقبات ميدانية وانفجار عددي
وتصطدم هذه الجهود بتحديات ميدانية ولوجستية كبرى، فالملاجئ والجمعيات تفتقر للمعدات الأساسية وتعتمد على أدوات بدائية صُنعت بجهود شخصية لضمان الاستمرارية. ويرى الدكتور جانسيز أن الملاجئ تعاني من نقص التمويل، وغياب المساحات المناسبة، وشح الأدوية والتجهيزات، وارتفاع أجور العمال، ما يدفعه لتقديم زيارات تطوعية دورية للوقوف على احتياجاتها. وتلفت أية بكور أن المشكلة تتجلى بوضوح في التسارع العددي الرهيب للولادات؛ فالكلاب تبلغ بعمر السنة وتلد مرتين سنوياً بمعدل 9 إلى 14 جرو في البطن الواحد، بينما لا تتجاوز العمليات المنجزة أرقاماً بسيطة مقارنة بالاحتياج الفعلي الذي يتطلب إجراء 3000 عملية تعقيم سنوياً على الأقل لضبط الأعداد.
تتطلب أزمة الكلاب الشاردة في حمص استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز الإمكانيات المحدودة للفرق التطوعية والجمعيات الأهلية التي يقتصر دورها على كونه جهداً رديفاً. إن ترك هذا الملف دون حلول جذرية تشتمل على التمويل، وتوفير اللقاحات، وتنسيق العمل بين وزارات الزراعة والصحة والإدارة المحلية والبيئة، يهدد بالوصول إلى كارثة بيئية وصحية خلال فترة وجيزة، بينما يكمن الحل الحقيقي في بناء شراكة حقيقية توازن بين حماية المجتمع وصون حق هذه الكائنات في الحياة.










Leave a Reply