آية كيوان – خاص
يواجه مزارعو العنب والتفاح في السويداء موسماً صعباً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع أسعار المحاصيل وضعف منافذ التسويق، في وقت لا تكفي فيه عائدات البيع -بحسب مزارعين- لتغطية ما ينفقونه على مدار العام من أسمدة ومبيدات وحراثة وأجور ونقل.
وتتداخل عدة عوامل في تحديد العائد النهائي للمزارع، بدءاً من ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والمحروقات، مروراً بصعوبة بيع المحاصيل وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وصولاً إلى محدودية قدرة منشآت التصنيع على استيعاب الإنتاج.
تكاليف تتجاوز العائد
خلال لقاء الدليل مع المزارع سعيد، الذي يملك بستاناً في قرية سهوة الخضر تبلغ مساحته ثلاثة دونمات مزروعة بالعنب والتفاح، قال إن الموسم الحالي لم يعد يحقق للمزارع ما يتناسب مع التكاليف والجهد المبذول طوال العام، معتبراً أن ضعف تصريف المحصول وغياب منافذ كافية لتسويقه من أبرز أسباب تراجع العائد.
وأوضح سعيد أنه أنفق هذا العام نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة على بستانه، توزعت بين الأسمدة والحراثة والمبيدات الحشرية وغيرها من مستلزمات الإنتاج، بينما بلغ إنتاج العنب في البستان نحو طن واحد. وبحسب السعر الذي يحصل عليه المزارع حالياً، والبالغ بين 0052 و0003 ليرة للكيلوغرام، فإن قيمة إنتاج طن العنب تتراوح بين 5.2 و3 ملايين ليرة، أي أنها لا تغطي كامل ما أنفقه سعيد على البستان.
أشار سعيد خلال حديث مع “الدليل” إلى أن سعر كيلو العنب كان في مواسم سابقة بحدود 0005 ليرة، بينما يتراوح هذا الموسم بين 0052 و0003 ليرة، معتبراً أن هذا الانخفاض يفاقم خسائر المزارعين ويجعل استمرارهم في زراعة المحصول أكثر صعوبة. مضيفاً أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يزيد من الأعباء، موضحاً أن سعر كيلوغرام السماد من الأنواع الأقل سعراً يبلغ نحو 52 ألف ليرة، في وقت لا يتلقى فيه المزارعون، بحسب قوله، دعماً كافياً في مجال المبيدات الحشرية، كما لا توجد جمعيات تقدم دعماً فعلياً للمزارعين.

التسويق يضاعف الخسائر
يرى سعيد أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج، وإنما أيضاً بضعف القدرة على تصريف المحصول، في ظل عدم وجود مصانع قادرة على استيعاب الكميات المنتجة. وأوضح أن معمل التقطير لم يستقبل المحصول هذا العام، ما قلص الخيارات المتاحة أمام المزارعين لتصريف العنب، وجعلهم أكثر ارتباطاً بالسوق المحلية والتجار، ولا تقتصر أعباء التسويق على سعر شراء المحصول، إذ يضاف إليها ارتفاع تكاليف النقل.
من جانبه، أوضح أحد تجار العنب لـ”الدليل” أن نقل حمولة السيارة إلى محافظة حماة -حيث يتعامل مع أحد تجار المنطقة- يكلف نحو أربعة ملايين ليرة، مشيراً إلى أن هذه التكلفة تنعكس على السعر النهائي للمحصول.
وبينما يحصل المزارع على سعر يتراوح بين 0052 و0003 ليرة للكيلوغرام، ترتبط الأسعار التي يصل إليها المنتج في الأسواق بعدة حلقات وتكاليف تبدأ من المزرعة و تنتهي عند المستهلك.
تراجع الإقبال على التصنيع
يتحدث وفيق كيوان صاحب منشأة لعصر العنب والتفاح لـ”الدليل” أن حجم الإقبال على المنشأة هذا الموسم أقل من الأعوام الماضية. مرجعاً ذلك إلى عاملين أساسيين، أولهما تأخر الموسم الحالي نحو 02 يوماً عن موعد نضوجه المعتاد، والثاني تراجع القدرة المالية لدى المزارعين على تحمل تكاليف الإنتاج، نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات مقارنة بالسنوات السابقة وعدم توفر المازوت النظامي بالكميات الكافية، وفي حال توفره بالسعر الحر. ولا يقتصر أثر ارتفاع التكاليف على زراعة المحصول وتسويقه، بل يمتد إلى مرحلة التصنيع، إذ تغيرت كمية المحصول اللازمة لإنتاج الدبس مقارنة بالعام الماضي.
ويوضح كيوان لـ “لدليل” أن المنشأة كانت تحتاج العام الماضي إلى نحو 09 إلى 521 كيلوغراماً من العنب لإنتاج تنكة واحدة من الدبس، بينما أظهرت تجارب هذا العام الحاجة إلى نحو 061 أو 071 كيلوغراماً لإنتاج التنكة، مع انخفاض نسبة السكر في العنب. أما بالنسبة للتفاح، فكانت الكمية اللازمة لإنتاج تنكة تزن نحو 52 كيلوغراماً تتراوح العام الماضي بين 071 و002 كيلوغرام، بينما يقدر احتياج هذا العام بنحو 003 كيلوغرام من التفاح لإنتاج الكمية نفسها.
ارتفاع تكلفة تنكة الدبس
وبحسب كيوان، ارتفعت تكلفة إنتاج تنكة الدبس من العنب داخل المنشأة من نحو 053 ألف ليرة العام الماضي إلى نحو 004 ألف ليرة كحد أدنى هذا العام في حال توفر المازوت بالسعر النظامي، بينما قد تصل إلى نحو 005 ألف ليرة في حال احتساب المازوت بالسعر الحر، أما تكلفة إنتاج تنكة دبس التفاح، فتتراوح هذا العام بين 005 و006 ألف ليرة. وفي المقابل، حددت الجمعية التسويقية التابعة للتموين سعر بيع تنكة الدبس بين 3.1 و4.1 مليون ليرة.
لكن ارتفاع تكلفة الإنتاج لا يعني بالضرورة وجود طلب كافٍ على المنتج، إذ أوضح كيوان للدليل، بصفته يتعامل مع الشركات، أن الإقبال على طلب الدبس هذا العام تراجع، مرجعاً ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية وضعف التسويق على مستوى البلاد.
النقل والآليات.. أعباء إضافية
إلى جانب تكاليف الإنتاج والتسويق، يواجه بعض المزارعين مشكلة عدم امتلاك آليات زراعية أو وسائل نقل خاصة بهم، ما يضطرهم إلى دفع تكاليف إضافية للاستعانة بالآليات والعمال والنقل. ويزداد هذا العبء مع ارتفاع أسعار المحروقات ما يرفع تكلفة كل مرحلة من مراحل العمل الزراعي، بدءاً من حراثة الأرض وصولاً إلى نقل المحصول إلى الأسواق أو منشآت التصنيع. كما يبقى الإنتاج الزراعي معرضاً لتقلبات الطقس، ولا سيما الجفاف، وهو ما انعكس على المواسم خلال العامين الماضيين، وبحسب المزارع سعيد فإن تعرض الموسم للخسارة نتيجة العوامل الجوية لا يقابله دعم أو تعويض كافٍ للمزارعين، في حين تشكل فوائد القروض الزراعية عبئاً إضافياً على من يلجأ إليها لتغطية تكاليف الإنتاج.

التفاح.. وفرة إنتاجية وتكاليف تخزين
وفيما يتعلق بمحصول التفاح، قال مصدر في مديرية الزراعة بالسويداء للدليل إن التقديرات الأولية تشير إلى توقع إنتاج يقارب 60 ألف طن من التفاح هذا العام، بزيادة ملحوظة مقارنة بالموسم الماضي. مضيفاً أن ارتفاع الإنتاج يطرح في المقابل تحديات تتعلق بالتسويق والتخزين، ولا سيما مع الحاجة إلى تبريد كميات كبيرة من المحصول للحفاظ عليها إلى حين طرحها في الأسواق.
وبحسب بيانات جمعية الخزن والتبريد في السويداء، تتراوح أجور تبريد الصندوق الواحد بين 2 و52.2 دولار في الوحدات التي تعتمد على الطاقة البديلة والخطوط المعفاة من التقنين، مقابل 5.1 إلى 57.1 دولار في الوحدات الخاضعة لتقنين الكهرباء.
وتضيف تكاليف التخزين والتبريد عبئاً جديداً على المزارع الذي يختار عدم بيع محصوله مباشرة بعد القطاف، خصوصاً في حال كانت الأسعار المتاحة في السوق لا تغطي تكاليف الإنتاج والتخزين معاً.
محصول وفير.. وعائد غير مضمون
تظهر المعطيات المتعلقة بالعنب والتفاح أن المشكلة لا ترتبط بحجم الإنتاج وحده، إذ يمكن لزيادة المحصول أن تترافق مع خسائر للمزارعين في حال لم تتوافر أسواق قادرة على استيعابه بأسعار تغطي تكاليف الإنتاج. فالمزارع يتحمل تكاليف الأسمدة والمبيدات والحراثة والعمالة والنقل، ثم يجد نفسه أمام أسعار بيع تتأثر بضعف الطلب وارتفاع تكاليف التسويق والتصنيع، وتزداد صعوبة المعادلة بالنسبة إلى المزارع الذي لا يملك القدرة على التخزين أو النقل أو الوصول المباشر إلى الأسواق، فيصبح أكثر اعتماداً على التاجر في تصريف محصوله.
وبين وفرة الإنتاج وارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية ومحدودية منافذ التصريف والتصنيع، يبقى السؤال المطروح أمام مزارعي العنب والتفاح في السويداء: هل تكفي أسعار بيع المحاصيل لتغطية تكلفة إنتاجها، وتضمن للمزارع القدرة على الاستمرار في الموسم المقبل؟












Leave a Reply