سدرة الحريري – خاص
مع حلول موسم المونة وبداية العام الدراسي تتقاطع على ميزانية الأسرة السورية مجموعة من النفقات الموسمية في وقت ترتفع فيه كلفة النقل والطاقة وتبقى الدخول محدودة.
يرصد هذا الملف كيف تعيد الأسر السورية ترتيب إنفاقها مع تزامن نفقات المونة والمدرسة والاستعداد للشتاء، وما البدائل التي تلجأ إليها لتخفيف الكلفة مع اختلاف الأسعار وطرق التكيف بين المناطق.

موسم المونة.. كميات أقل وبدائل تناسب الدخل
لم يعد سؤال بعض العائلات السورية هذا العام عن كمية المونة التي ستخزنها لفصل الشتاء، بل عن الأصناف والمواد التي يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بأخرى أقل كلفة فمع ارتفاع أسعار الخضراوات الموسمية المستخدمة في المونة، مثل الباذنجان والفليفلة والثوم إلى جانب الجوز وزيت الزيتون، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها على تكاليف النقل والطاقة أصبحت المونة بنداً قابلاً للتقليص في ميزانية بعض الأسر.
وبين من خفّض الكمية ومن لجأ إلى بدائل أقل سعراً ومن قرر عدم إعداد المونة هذا العام، تتغير تفاصيل واحدة من العادات الغذائية المنزلية المرتبطة بموسم الخريف.
تقول “أم حسن” إنها كانت تحضّر 03 كيلوغراماً من المكدوس كل عام، لكنها قررت هذا العام عدم إعداد المونة في المنزل، والاكتفاء بشرائه من السوق بين الحين والآخر. موضحةً أنها فضّلت توفير المال لشراء القرطاسية لطفليها في المرحلة الابتدائية، مضيفة أنها رغم ذلك لم تتمكن من شراء كامل مستلزمات المدرسة لطفليها.
أمّا “أم همام”، فتقول إن ارتفاع أسعار المحروقات بما فيها الغاز كان أحد العوامل التي دفعتها إلى عدم إعداد المكدوس هذا العام، إذ إن تحضير الباذنجان يحتاج إلى وقت طويل من الطهي وهو ما يزيد كلفة المونة بالنسبة إلى أسرة تعتمد على راتب زوجها الموظف، الذي لا يتجاوز 02 ألف ليرة سورية جديدة.
ولا يقتصر التكيف مع ارتفاع التكاليف على تقليل الكميات أو الاستغناء عن إعداد المونة، إذ لجأت عائلات أخرى إلى تغيير مكونات المكدوس واستخدام بدائل أقل سعراً.
تبيّن “أم عدي” في حديثها لمنصة الدليل أنها استبدلت هذا العام الجوز بالفستق السوداني وزيت الزيتون بالزيت النباتي بهدف خفض كلفة إعداد المكدوس وجعله أقل عبئاً على ميزانية الأسرة. وتزامن ذلك مع ارتفاع كلفة الطاقة المستخدمة في إعداد المونة، إذ بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 0061 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 1470 ليرة بزيادة قدرها 031 ليرة للأسطوانة.
ورغم اعتماد بعض الأسر في المناطق الريفية، ولا سيما في السويداء ودرعا وأجزاء من الساحل على الحطب بديلاً عن الغاز، فإن ارتفاع أسعار مكونات المونة يبقى عائقاً أمام إعدادها بالكميات المعتادة ويدفع بعض الأسر إلى تقليل الكمية أو تغيير مكوناتها أو الاستغناء عنها كلياً.

المدرسة تنافس المونة على الراتب
مع بداية شهر أيلول تبدأ الأسر السورية مرحلة التجهيز للعام الدراسي من شراء الحقائب والملابس والأحذية إلى أدوات القرطاسية والكتب المدرسية، في وقت شهدت فيه الأسواق ارتفاعاً في أسعار عدد من هذه المستلزمات. ورصدت تقارير محلية ارتفاع أسعار بعض الأصناف بنسب وصلت إلى 001% مع تفاوت الأسعار بحسب الجودة والمنشأ لتضيف هذه النفقات عبئاً جديداً على ميزانية الأسرة في بداية الخريف بالتزامن مع مصاريف المونة وارتفاع كلفة المعيشة.

وبحسب “أم حسن”، فإن الحد الأدنى من مستلزمات طفل في المرحلة الابتدائية بما يشمل القرطاسية واللباس المدرسي والحقيبة، لا يقل عن 6000 ليرة سورية جديدة. فبالنسبة إلى عائلة لديها طفلان في المرحلة الابتدائية تصل الكلفة إلى نحو 12 ألف ليرة سورية جديدة قبل احتساب أي نفقات إضافية أخرى مثل النقل أو المصاريف المدرسية.
وبالرغم من توجيهات وزارة التربية والتعليم بالإسراع في استكمال تسليم الكتب المدرسية وتلافي أي نقص فيها وتوجيه وزير التربية والتعليم، محمد عبد الرحمن تركو، بضرورة الإسراع في إيصال الكتب إلى المدارس وتأمين حاجة الطلاب مع انطلاق العام الدراسي طالبت العديد من المدارس الطلاب بشراء الكتب المدرسية.
وبحسب الوزارة، تُوزّع الكتب المدرسية مجاناً لطلاب الصفوف من الأول حتى التاسع، ضمن خطة لتأمين نحو 41 مليون كتاب للعام الدراسي 6202-7202 ، إلا أن استمرار عمليات التوزيع بعد بدء الدراسة دفع بعض الأهالي، بحسب شهاداتهم، إلى شراء الكتب من السوق لتأمينها لأبنائهم قبل وصول النسخ المخصصة للمدارس.
وتظهر بيانات وزارة التربية نفسها استمرار النقص في بعض المناطق ففي حمص، أعلنت مديرية التربية في 42 أيلول أن نسبة الكتب الموردة والموزعة بلغت نحو 08% مع استمرار استلام الدفعات المتبقية.
وتقول “أم حسن” لـ”الدليل” إن بعض المدارس طلبت من الطلاب شراء الكتب المدرسية بسبب تأخر وصولها إلى المدارس، بالتزامن مع بدء المعلمات تدريس المناهج ما دفع عدداً من الأهالي إلى شرائها من السوق، وبعد نحو أسبوع وزّعت المدارس الكتب نفسها على الطلاب ما ترك الأهالي الذين اشتروا الكتب أمام كلفة إضافية كان من الممكن تجنبها لو وصلت الكتب إلى المدارس في الوقت المحدد.
تكاليف التدفئة عبء الشتاء القادم
أقرت لجنة تحديد أسعار المواد البترولية في وزارة الطاقة زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية منتصف أيلول الماضي، مبررة القرار بارتفاع تكاليف الاستيراد، وفي محاولة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، بحسب الوزارة، حُددت ثلاثة أنواع من مادة المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة تبعاً لطبيعة الاستخدام.

وبحسب القرار، حُدد سعر ليتر المازوت المدعوم “السوري المكرر” المخصص للتدفئة المنزلية والقطاع الزراعي بـ115 ليرة سورية جديدة، فيما بلغ سعر المازوت المحسّن “العراقي” المخصص للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة 051 ليرة سورية جديدة لليتر، أما المازوت بالمواصفات القياسية “الأوروبي” فحدد سعره بـ571 ليرة سورية جديدة لليتر.
كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 0061 ليرة سورية جديدة ويأتي ذلك بالتزامن مع تعديل تعرفة استجرار الكهرباء وفواتيرها الذي أقرته وزارة الطاقة مطلع عام 6202، ما يضيف كلفة أخرى على الأسر مع اقتراب فصل الشتاء. ومع تعدد خيارات التدفئة بين المازوت والغاز والكهرباء والحطب، تجد الأسر نفسها أمام مصروف موسمي جديد.
يقول وسيم، وهو شاب يعمل في مهنة تصليح الهواتف، إن عائلته تحتاج إلى نحو 5 ليترات من المازوت يومياً للتدفئة خلال الشتاء أي ما يقارب 051 ليتراً شهرياً ما يعني كلفة شهرية تصل إلى نحو 00051 ليرة سورية جديدة. وحتى في حال الاستعاضة عن المازوت بالغاز للتدفئة، كما في حالة “أبو علي”، تبقى الكلفة حاضرة ويقول ل”الدليل” إنه يحتاج إلى أسطوانة غاز كل عشرة أيام تقريباً للتدفئة أي ما يقارب ثلاث أسطوانات شهرياً باستثناء الأسطوانة المخصصة لإعداد الطعام وبكلفة تقارب 008,4 ليرة سورية جديدة شهرياً. ولا يعرف أبو علي ما إذا كان سيعتمد وسيلة تدفئة مختلفة هذا العام لكنه يستبعد التدفئة الكهربائية بسبب كلفتها ويقول بحسرة: “ما ضل إلا نحرق ورق وكرتون لندفى”.
وبينما كانت المونة في السابق استعداداً للشتاء والمدرسة موعداً سنوياً معروف الكلفة والتدفئة حاجة أساسية لا يمكن تأجيلها أصبحت هذه الاحتياجات اليوم تتنافس على الدخل نفسه، أسرة تختصر كمية المكدوس لتشتري القرطاسية، وأخرى تستبدل مكوناته ببدائل أرخص وثالثة تحسب عدد ساعات تشغيل المدفأة قبل أن يبدأ الشتاء فعلياً.
ومع تزامن هذه النفقات لم تعد المسألة بالنسبة إلى كثير من الأسر كيف تشتري احتياجاتها بل أيّها يمكن تأجيله وأيّها يمكن الاستغناء عنه وبين المونة والمدرسة والتدفئة، يصبح توزيع الراتب عملية يومية من المفاضلة بين حاجات أساسية، فيما تتقلص مساحة الخيارات المتاحة أمام الأسرة مع كل مصروف جديد.












Leave a Reply