“ليست رفاهية”.. كيف تخوض النساء السوريات رحلة التعافي النفسي؟

الصحة النفسية
الدليل – خاص

في اليوم العالمي للصحة النفسية العاشر من شهر تشرين الأول، تتجاوز التوعية حدود الشعارات لتصل إلى الفهم الحقيقي للتعافي؛ فالصحة النفسية لم تعد مجرد خيار ثانوي، بل هي أولوية وحاجة أساسية لصمود الأفراد والمجتمعات. ومع تطور نظرة المجتمع اليوم وإقبال الناس الأفضل على العلاج، تتصدر النساء المشهد بوصفهن الأكثر جرأة في التعبير عن التعب النفسي وكسر حاجز الوصمة وطلب الدعم، رغم أعباء الحرب، النزوح، وضغوط العيش اليومية التي يتحملنها.

من هذا الواقع، ينطلق هذا التقرير ليرصد تجارب حية لنساء أخذن قرار العلاج بين الداخل والمهاجر، متسائلين مع المختصين: كيف نتحول من مجرد النجاة والمكابدة، إلى التعافي والعيش الحقيقي؟

بين صدمات الداخل و”مخيمات” الغربة

تصف المعالجة النفسية رانيا مهنا الوضع النفسي في سوريا بأنه “صعب ومعقد”، موضحة أننا لا نحكي عن أزمة عابرة، بل عن تراكم سنوات طويلة من الخوف، الفقد، النزوح، وعدم الاستقرار. وتقول مهنا إن التعرض المستمر للضغط يترك أثراً مباشراً على منظومة الاستجابة للتوتر في الجسم، ليظل الإنسان في حالة “استنفار مستمرة”.

هذا الاستنفار يتجسد بوضوح في حكايات السوريين، سواء في الداخل أو في رحلات اللجوء. تقول مايا -اسم مستعار- (التي تعيش في الغربة منذ سنتين وتزور أخصائية مرتين بالشهر): “كنت كتير خاف نام بالليل، بخاف من البوليس لأني مريت بتجربة سيئة. حطوني بمنزل قريب من المطار، وهذا الشي صار يذكرني بأصوات القذائف والبراميل في سوريا، وأثر كتير على نفسيتي وبالكامب صاروا يعطوني مهدئات”. وتضيف مايا عن صدمة عاطفية ضاعفت الوجع بعد سفرها لأوروبا: “بعد ما وصلت لأوروبا لأقابل شخص وتتطور علاقتنا، تركني وتزوج أجنبية، وهاد سبب لي انهيار، صرت عدوانية وعنيفة، بس العلاج غيرني كتير وقدرت أندمج”.

وفي المقابل، تؤكد رانيا مهنا على ضرورة عدم اختزال المجتمع السوري في إطار الصدمة أو المرض؛ فالإنسان السوري يمتلك قدرة هائلة على التكيف، غير أن هذا الاستمرار لا يعني بالضرورة سلاماً نفسياً، فـ “التفكير الدائم بأساسيات الحياة قد لا يترك للبعض الوقت أو المال ليتعالجوا، ومن هنا نحنا بحاجة لننتقل من مساعدة الناس على التحمل إلى توفير خدمات علاجية ومجتمعية متاحة للجميع”.

هل كل مراجع مريض؟

توضح مهنا أن الأسباب متعددة ومرتبطة بالواقع من فقْد وبطالة وعدم استقرار، مشددة على أهمية التمييز بين الاكتئاب كاضطراب، وبين الحزن والإنهاك والضياع كاستجابات طبيعية لظروف قاسية، لافتة إلى أن بعض الأعراض قد تكون “استجابة بشرية طبيعية وليست اضطراباً مرضياً”. وتقول: “مو كل شخص بيجي لعند المعالج عنده اكتئاب؛ ممكن يكون عنده قلق، احتراق نفسي، أو إحساس بأنه فقد الاتجاه بحياته. كلمة ضياع هي وصف لتجربة إنسانية وليست تشخيصاً”.

وهذا ما دفع الشابة غادة (42 عاماً) لطلب الدعم؛ فهي لم تنتظر انهياراً، وتقول: “صرلي حوالي أربع شهور بروح عند معالجة نفسية بجلسات متباعدة، على مدى فترة طويلة شعرت أنني بحاجة أفهم حالي أكتر، لي هيك عم اتفاعل مع القصص يلي بتصير بحياتي وردود فعلي؟، وحسيت اني بقدر اعمل كونترول عن طريق العلاج. وما ترددت أبداً؛ أول راتب قبضته، حجزت جلسات العلاج النفسي”. وتضيف غادة مؤكدة: “حتى لو لم يكن الشخص يحتاج المعالجة، فنحن أحياناً بحاجة لاكتشاف أنفسنا أكثر”.

كلفة الجلسة أم “المشوار”؟

في معرض الرد على من يفضلون ترويح النفس عبر “مشوار” بدلاً من جلسة علاجية، توضح رانيا مهنا أنه لا تعارض بين الترفيه والعلاج؛ فالمشي والموسيقى وتغيير الجو هي أجزاء أساسية للعناية بالنفس، لكنها تظل رديفة ولا تغني عن العلاج. وتشرح بالقول: “إذا كان الإنسان مرهق وعم يحتاج للراحة، ممكن يكون المشوار مفيد جداً. أما إذا كان عنده اكتئاب مستمر أو آثار صدمة، فالراحة المؤقتة تخفف عنه لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية. العلاج مش مجرد فضفضة، هو عملية لفهم الأفكار والسلوك والأنماط المتكررة”.

هذا الأثر تلمسه مايا بالقول: “الاخصائية صارت رفيقتي، ومهمة بحياتي… بعرف قدي بحاجة نحكي ونفضفض لشخص بيسمعني ومش من عيلتي، مو بس بيسمع، بناقش وبيعطي حلول، وهي حالة تفريغ لحالها بتريح. ولما تعدي فترة ما راجع الأخصائية بتكركب كتير”. وتؤكد مايا من خلفيتها السابقة في العمل مع نساء متعرضات للتروما: “أتمنى شعبنا بعد كل السيناريوهات يلي مرق فيها يحس أنه بلدنا بحاجة أطباء مختصين تعالج الكل”.

الوصمة الاجتماعية

تتوقف المعالجة النفسية رانيا مهن عند عائق “الوصمة” التي تمنع الإنسان من طلب المساعدة خوفاً من نظرة المجتمع أو الشعور بالضعف، معتبرة أن اعتبار المراجعة “اعترافاً بالهزيمة” عبء إضافي. لكنها تشير إلى الجانب المشرق بتزايد إقبال الناس اليوم واستفسارهم عن الجلسات وإحضار عائلاتهم. وتختتم بالقول إن أساس العلاج يكمن في: “أن يشعر المراجع بالأمان والخصوصية، وأن يكون في مكان لا يحكم عليه فيه”.

وهو ما تتفق معه غادة في نصيحتها لكل من يريد البدء: “أنصح بالذهاب لطبيب أو معالج، ولكن الأهم هو اختيار المعالج المناسب والصح، لأن كتير ضروري يكون فهمان، ما بيحكم، ويكون حيادي وما يتدخل باتخاذ القرارات بل يوجه المريض للصح”. بينما تجمّل مايا شعورها نحو الوصمة بالقول: “مابخجل قول اني بزور أخصائية نفسية، بس مابحب أحكيه على العلن؛ فالمجتمع عنا لسه بيطلق أحكام سيئة وبشعة، بس بشجع كل شخص يروح لأن الإنسان بحاجة يفرغ”.

بين ركام سنوات طويلة من الفقد والنزوح، وضغوط يومية لا تنتهي، يظل الاعتراف بالتعب النفسي الخطوة الأولى نحو التعافي. فالحكايات التي تقاطعت بين عيادات الداخل والغربة -سواء في رحلة غادة للبحث عن فهم الذات والتحكم بالحياة، أو في صراع مايا لترميم آثار صدمات اللجوء والشتات- تقدم صورة حية لواقع تعيشه النساء في مواجهة القسوة والتحولات الكبرى. إنها تؤكد أن طلب المساعدة ليس رفاهية، بل هو محاولة شجاعة للتشبث بالحياة. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *