مزارعو القنيطرة.. بين غلاء المصاريف وخسارة الموسم

تنفرد القنيطرة بطبيعتها الغنية التي جعلتها في صدارة المحافظات الزراعية؛ إذ يعتمد معظم سكانها على هذا القطاع الحيوي بشقّيه النباتي والحيواني، لتتحول حقولها الصيفية كل عام إلى ورشة عمل نابضة بالحياة، تُنتج ا وتُنعش حركة الأسواق وتؤمّن للأسر الأمان الاقتصادي الذي تطمح إليه.

‏

‏رحلة الإنتاج 

يتجول مراد غنيم وهو مزارع من بلدة خان أرنبة  كل صباح بين الحقول المزروعة بمحصول الخيار، ويلتقط الثمار الناضجة الجاهزة للتسويق بالإضافة للعمال المياومين الذين يعملون على قطف وتوضيب الثمار تمهيداً لنقلها إلى سوق الهال في دمشق.

‏لم تعد الزراعة الصيفية في القنيطرة مجرد حراثة وبذار ورعاية، بل أصبحت معادلة اقتصادية معقدة يجد المزارع نفسه فيها أمام نزيف مالي يستنزف طاقته وقدرته على الاستمرار. ويوضح المزارع غنيم لـ “الدليل” تفاصيل هذه المعاناة اليومية، قائلاً إن ‏مرحلة التسويق والبيع هي المحطة الهامة التي ينتظرها المزارعين ويسعى جاهداً كل مزارع لجني الأرباح، لكن الواقع مختلف هذا الموسم، مؤكداً أن الوصول بالمحصول إلى مرحلة الإنتاج يمر برحلة شاقة من الخطوات المتتابعة والتكاليف المتصاعدة؛ إذ تبدأ أولى المحطات من تجهيز الأرض وفلاحتها على وجهين بتكلفة تصل إلى 500 ألف ليرة للدونم الواحد، لتتوالى بعدها المصاريف مع شراء ظرف البذار الذي يبلغ سعره 60 دولاراً -ما يعادل 900 ألف ليرة سورية- يُضاف إليها تكاليف أجور العمال المياومين والمد البلاستيكي الذي يغطي المساحات المزروعة.

ولا تتوقف قائمة الأعباء عند هذا الحد، بل تشتد مع الارتفاع الحاد في أسعار مستلزمات الإنتاج بالسوق المحلية، إذ يتجاوز سعر كيس السماد الواحد من نوع (يوريا 46) حاجز 700 ألف ليرة، بالإضافة للمصاريف التشغيلية الإضافية من اشتراكات مياه الري، وأجور الكهرباء، وتكاليف النقل والتنقل. وبحساب بسيط لهذه التكاليف المتراكمة، يجد المزارع أن الدونم الواحد يستهلك ما يقارب 7 ملايين ليرة سورية ليبلغ فقط مرحلة الإنتاج الأولى بعد رحلة عناية واستنزاف تمتد لنحو 45 يوماً. ويكشف غنيم بحسرة عن حصاد هذا العام في أرضه البالغ مساحتها 12 دونماً والمزروعة بمحصول الخيار، أنها لم تثمر سوى عن خسارة مالية فادحة تراوحت بين 9 إلى 10 ملايين ليرة سورية.

وفي السياق ذاته، يؤكد المزارع صفوان اليونس من قرية عين النورية ما لفت إليه غنيم، موضحاً لـ “الدليل” أن التبعات الثقيلة لخسائر هذا الموسم ستنعكس مباشرة على مستقبل الزراعة في المنطقة؛ إذ إن المزارع الذي تكبد هذه خسائر هذا العام لن يكون بمقدوره معاودة الزراعة في الموسم القادم. ويشير اليونس إلى أن حالة من الخوف والتردد باتت تسيطر على أبناء القطاع، خشية التعرض لنكسات مالية إضافية قد تنتهي بهم إلى العجز التام عن استمرار استثمار أراضيهم والعمل فيها. 

‏من يتحكم بأسعار الخضار؟

بدوره يوضح حسين أبو عمر وهو تاجر خضار وفواكه، أن آلية العرض والطلب هي المحرك الأساسي لأسعار المنتجات في السوق، ويقول لـ “الدليل” إن محاصيل هذا العام، وعلى رأسها الخيار، شهدت إنتاجاً وفيراً تجاوز حاجة المستهلك، إذ تتدفق إلى الأسواق وسوق الهال بدمشق كميات ضخمة تفوق قدرة الاستيعاب. وهذا الفائض والمنافسة الشديدة أديا إلى هبوط حاد في الأسعار، ليكون المزارع هو الحلقة الأضعف والخاسر الأكبر في هذه المعادلة.

ويرى أبو عمر أن الحل يكمن في فتح باب التصدير للدول المجاورة عبر اللجان المختصة لتصريف هذا الفائض، بشرط دراسة حاجة السوق المحلية بشكل دوري. فهذه الخطوة تضمن عدم شحّ المادة أو ارتفاع أسعارها على المواطن، وتحقق في الوقت نفسه توازناً يخدم المزارع والمستهلك واقتصاد الدولة على حد سواء.

‏التخطيط والتنسيق يقلل من الخسائر

من جهته، يؤكد المهندس الزراعي محمد العلي لـ “الدليل” ضرورة التخطيط المسبق والتنسيق مع الجهات المعنية لتنويع المحاصيل الصيفية وعدم التركيز على صنف واحد. ويرى العلي أن العشوائية الحالية في الزراعة -إذ تُزرع معظم المساحات بالخيار والبندورة- هي السبب الرئيسي في تدفق فائض كبير يُسقط الأسعار ويضر بالمزارع، مقابل نقص في أصناف أخرى يرفع أسعارها على المستهلك.

ويؤكد العلي أن الحل يتطلب إشرافاً مباشراً من مديرية الزراعة واتحاد الفلاحين لتنظيم وتوزيع المساحات المزروعة بين مختلف الخضار؛ حيث يضمن هذا التوازن حماية المزارع من الخسارة، ويوفر للمواطن منتجاً محلياً بأسعار مناسبة ومنافسة دون أي خلل في السوق.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *