خاص | الدليل
أثارت حملة رقمية تحمل اسم “أنت لست شجرة” جدلاً واسعاً ومتصاعداً على منصات التواصل الاجتماعي السورية، وسط تحذيرات من أهدافها وانعكاساتها الاجتماعية. الحملة تنطوي على خطاب إقصائي صريح وتعميم جماعي، يدعو بشكل غير مباشر إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وفي ظل غياب جهة واضحة تتبنى الحملة علناً، يتركز الجدل في الفضاء الرقمي متحولاً إلى ساحة ساخنة للشحن الطائفي.
“هندسة الانتباه” وإدارة الغضب الشعبي
يرى الباحث السياسي علاء بيازيد أن ظهور هذه الحملة في هذا التوقيت يمثل “إنذاراً خطيراً جداً”، إذ تُستدعى فيه الذاكرة الدموية للسوريين بكثافة؛ وتتدفق فجأة كميات هائلة من فيديوهات أرشيف الثورة السورية. وينوه بيازيد هنا إلى أن “أرشيف الثورة مهم وجزء من ذاكرة الضحايا ويجب استخدامه في ملفات العدالة”، لكن السؤال الخطير: لماذا يُضخ بهذه الكثافة الآن؟ ولماذا يتحول من مادة للتوثيق والمحاسبة إلى وقود لتسخين الشارع طائفياً؟
ويشير إلى أن الحملة تدخل في إطار “هندسة الانتباه العام”؛ فكلما اشتدت أزمة اقتصادية أو معيشية، وكلما بدأ الناس يتساءلون عن فشل السلطات المؤقتة، تعمد جهات مستفيدة إلى إطلاق موجات ضخ وتحريض، لإعادة شحن الغضب عبر الذاكرة والدم والخوف، مؤكداً أن هذا “لا يصنع عدالة، بل يهدف لتأجيل الأسئلة الحقيقية”.
من سؤال العدالة إلى فخ الهوية
إن الخطورة الأكبر تكمن في تحول ألم الضحايا من مطلب قضائي وأخلاقي إلى لغة عقوبة جماعية. ويحذر بيازيد: “هذه ليست عدالة، هذه هندسة للكراهية. إن من قتل وعذب يجب أن يُحاسب بلا رحمة قانونية، لكن تحويل الطائفة إلى متهم جماعي هو بداية الطريق لكارثة وطنية”. فالدفاع عن الضحايا لا يكون بتصنيع ضحايا جدد، ومظلومية السوريين لا يجوز أن تتحول لرخصة لاستهداف مكون كامل، لأن استثمار المظلوميات يصنع “فاشية اجتماعية”.
ويرصد بيازيد تحولاً كارثياً في الخطاب العام، حيث انتقل النقاش من “سؤال العدالة” (من قتل ونفذ وموّل؟) إلى “سؤال الهوية” (من أي طائفة ينحدر الفاعل؟)، مما يقتل فكرة المسؤولية الفردية ويحول المجتمع إلى كتل خائفة ومتحفزة ضد بعضها. ويلفت إلى دور مؤثرين وصفحات مقربين من السلطة المؤقتة ومستفيدين من المناخ الجديد في هذا التحريض، مؤكداً أن المطلوب هو إعلان سياسي وقانوني واضح: لا مكان للتحريض الطائفي في سوريا الجديدة، ولا حصانة لمسؤول أو مؤثر إذا حرّض على جماعة سورية، ولا يجوز أن يصبح الدين أو الثورة غطاءً لخطاب الكراهية.
مخاطر العقوبة الجماعية وانغلاق الهويات
يفند بيازيد المخاطر الناجمة عن تعميم المسؤولية على جماعة طائفية كاملة، واصفاً إياها بأنها تنقل المجتمع من منطق العدالة إلى منطق العقوبة الجماعية الغوغائية. وفي دولة القانون، يُحاسب الإنسان حصراً على فعله الشخصي وقراره، لا على طائفته أو مسقط رأسه. وعندما تصبح الطائفة مسؤولة، يحدث خلط بين الجلاد والجار، ويضيع المجرم الحقيقي داخل الضجيج ويُعاقب أبرياء لا علاقة لهم بالجريمة، مما يبرئ كبار المجرمين عملياً.
ويلفت إلى شعور شعبي بأن بعض كبار المتورطين من اقتصاد الحرب والقتل لم تتم محاسبتهم بل أعادوا ترتيب مواقعهم في دوائر نفوذ جديدة. والخطر الآخر أن الجماعة المستهدفة ستنغلق على نفسها وتستسلم لأكثر المتطرفين فيها، وبذلك لا نكسر الطائفية بل نصنعها من جديد. فخطاب الكراهية يبدأ بمنشور ثم يصبح مقاطعة وعزلاً اجتماعياً لينتهي بعنف على الأرض.
ويؤكد الباحث بيازيد أن حملات المقاطعة الهوّياتية “تقتل المصالحة المجتمعية قبل أن تبدأ”، لأن المقاطعة على أساس الطائفة أو المنطقة هي عقوبة جماعية تؤسس لثأر مضاد وتبني جدراناً نفسية بين الناس. فسيريل تحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية تتضمن كشف مصير المفقودين ومحاكمات علنية وإصلاح القضاء، وليس ترك السوشال ميديا تتحول لمحكمة طائفية تقود نحو فوضى أهلية.
ويرى الخطر الأكبر مهدداً للأجيال الشابة؛ فالشاب الذي يتعلم السياسة من منشورات غاضبة وخوارزميات تكافئ الانفعال، سيكبر وهو يعتقد أن المجتمع طوائف متهمة، مما يشوه وعيه السياسي ويحور العدالة إلى غريزة فرز جماعي وكراهية تجاه الآخر.
غياب الدولة وفراغ المؤسسات
في ختام قراءته، يشدد بيازيد على أن ما نراه اليوم هو “سلطة مؤقتة أو انتقالية” وليس دولة حقيقية مكتملة المؤسسات تمتلك قضاءً مستقل وقانوناً يحتكر العنف الشرعي. وحالة الانفلات الرقمي والتحريضي هي أوضح دليل على غياب الدولة؛ إذ لو كان القضاء حاضراً لما احتاج الناس للانتقام الرمزي على المنصات.
ويختم بيازيد رؤيته مؤكداً: “ما يحدث اليوم ليس عدالة انتقالية، بل هو إدارة غضب. كلما اشتدت الأسئلة عن الاقتصاد والسياسة وفشل الإدارة، تُفتح خزائن الألم السوري لشحن الناس طائفياً وتأجيل السؤال الحقيقي: أين القانون؟ وأين محاكمة الكبار؟ الدولة الحقيقية تحاسب المجرم لحماية المجتمع، أما السلطة الضعيفة فتترك المجتمع يتقاتل لحماية نفسها من السؤال”.




أضف تعليق