في ذاكرة الشركس، لا يبدو “يوم الحزن” مجرد مناسبة عابرة لاستذكار الماضي، إنما قد تكون مساحة مفتوحة على فقدٍ طويل لا يزال حاضراً في الوجدان الجماعي حتى اليوم.

أحيا الشركس، يوم أمس 21 أيار/مايو، في مناطق مختلفة من سوريا، ذكرى ما يُعرف بـ”يوم الحزن الشركسي”، وهو اليوم الذي أُعلن فيه انتهاء الحرب بين الشركس وروسيا القيصرية عام 1864، بعد حرب استمرت لأكثر من مئة عام في منطقة شمال القفقاس الواقعة بين البحر الأسود وبحر قزوين. وأدّت الحرب وما تبعها من عمليات تهجير قسري إلى وفاة أعداد كبيرة من الشركس، فيما جرى تهجير ما بين 800 ألف و1.5 مليون شخص من موطنهم الأصلي في شمال القفقاس إلى مناطق مختلفة، بينها بلاد عربية، عبر رحلات بحرية قاسية في البحر الأسود، توفي خلالها عدد كبير من المهجّرين.

البحر وهو يبتلع السفن

“مشهد البحر وهو يبتلع السفن” هذا أول ما خطر ببال الصحفية جانسيت طام عند سؤالها عن هذا اليوم، مشيرةً إلى رحلات التهجير القاسية التي دفعت آلاف الشركس إلى مغادرة القوقاز بحثاً عن وطن جديد بعد الهزيمة والاقتلاع.
تنحدر الصحفية السورية- الشركسية طام من الجولان المحتل والذي استقر فيه عدد كبير من الشركس قبل أن يهجروا مرةً ثانية، ليكون لهم وطنان بدل موطن واحد، ولذلك تصف أن الوطن بالنسبة لها “معقّد”، إذ أنها تشعر بالانتماء إلى القوقاز كمشاعرها تجاه الجولان ودمشق في الوقت نفسه، وتضيف: “للجولان مكانة خاصة في قلبي، لأنه لم يكن مجرد مكان لمجتمع واحد، بل مساحة احتضنت جماعات وقوميات متعددة، ونحن حتى اليوم نستذكرها في جلساتنا العائلية أكثر من وطننا الأم”.

وترى جانسيت طام أن ارتباط الجيل الحالي بالقضية الشركسية بات أقرب إلى “الرثاء” منه إلى الفعل الحقيقي، موضحةً أن المجتمع الشركسي لا يزال متمسكاً بثقافته وذاكرته الجمعية، لكنه يفتقد اليوم لأي أفق واقعي يعيد طرح فكرة العودة إلى الوطن الأم. وتلفت في حديثها إلى أن غياب المعطيات السياسية والعملية خلق شعوراً عاماً بأن القضية “أُغلقت منذ زمن”.


وفي حديثها عن الإبادة الشركسية، تؤكد طام أن ما جرى لم يكن مجرد “هجرة”، بل عملية تهجير وإحلال سكاني فرضتها روسيا خلال احتلالها للمنطقة، مشيرة إلى أن غالبية الشركس هُجّروا من أراضيهم، بينما استُقدمت شعوب أخرى للسكن مكانهم، وتعبّر عن أملها في أن تحظى القضية باعتراف دولي أوسع، وألا تبقى “منسية أو مُنكَرة”.


من جهته، يرى منسق العلاقات العامة لمجلس القبائل الشركسية في سورية بمحافظة حلب، يوسف حاج باره، أن الوعي بالقضية الشركسية لا يزال محدوداً لدى شريحة واسعة من الناس، رغم وجود معرفة عامة لدى البعض بتاريخ الشركس ومعاناتهم مع التهجير والشتات، مؤكداً أن الإعلام وإحياء الذكرى يشكلان وسيلة أساسية للحفاظ على الذاكرة ونقلها للأجيال القادمة.

اللغة الشركسية لا تزال حاضرة

ويؤكد حاج باره، أن اللغة الشركسية لا تزال حاضرة داخل عدد من العائلات والمجتمعات المحلية، رغم التحديات التي تواجهها مع مرور الوقت. لافتاً إلى أن الحفاظ على الهوية الشركسية لا يقتصر على اللغة فقط، بل يشمل أيضاً التمسك بـ”الأديغا خابزا”، وهي منظومة الأعراف والعادات والتقاليد الشركسية، إلى جانب تعليم الأطفال اللغة، والمحافظة على الأصول الاجتماعية، وتعزيز الروابط العائلية من خلال المناسبات والاجتماعات التي تُبقي الأجيال الجديدة مرتبطة بجذورها.

ويشير حاج باره إلى أن أكثر ما يثير القلق داخل المجتمع الشركسي هو احتمال فقدان اللغة مع الوقت، معتبراً أن ضعف اللغة يعني خسارة جزء كبير من الذاكرة والثقافة الجمعية، إضافة إلى تراجع ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها.

ويضيف أن الوقفات وإحياء ذكرى “يوم الحزن الشركسي” تمثل رسالة وفاء للأجداد وتمسكاً بالهوية والتاريخ، إلى جانب كونها فرصة لتعريف المجتمع بالقضية الشركسية بشكل حضاري وإنساني، مشدداً على أن الحفاظ على الهوية الثقافية الشركسية لا يتعارض مع الانتماء الوطني السوري، بل يعززه ضمن الهوية السورية الجامعة.

رغم مرور أكثر من قرن على الأحداث، لم يتم الاعتراف بالقضية الشركسية دولياً على نطاق واسع؛ إذ اعترفت جورجيا بما جرى باعتباره إبادة جماعية عام 2011، في حين ترفض روسيا هذا التوصيف، وتعتبر الأحداث جزءاً من موجات الهجرة المرتبطة بالحرب في تلك المرحلة التاريخية.

وبين ذاكرة التهجير ومحاولات الحفاظ على اللغة والهوية، يبقى -يوم الحزن الشركسي- بالنسبة لكثير من الشركس مساحة لاستعادة رواية يخشون أن يطويها النسيان.

أضف تعليق

Trending