خاص | الدليل

عاد ارتفاع سعر الدولار في سوريا ليثير القلق بعد أشهر من الاستقرار النسبي، متجاوزاً 13,500 ليرة للدولار، ومترافقاً مع موجة ارتفاع أسعار غير مبررة. هذا التحرك أعاد طرح تساؤلات حول أسبابه الحقيقية: هل هو نتيجة تطورات إقليمية؟ أم انعكاس لاختلالات داخلية أعمق؟ يجيب الباحث الاقتصادي محمد علبي في مقابلة خاصة مع الدليل عن أهم التساؤلات.

مسار طويل من الاختلالات البنيوية

يوضح الباحث الاقتصادي محمد العلبي في حديث لـ “الدليل” أن ما يجري ليس مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات البنيوية في الاقتصاد السوري. فالمشكلة الأساسية تكمن في فقدان التوازن بين ما ينتجه الاقتصاد من موارد بالعملة الأجنبية وما يستهلكه. الصادرات محدودة، والاستثمار شبه غائب، في حين يعتمد الاستهلاك—خصوصاً للسلع الأساسية والطاقة—على الدولار، ما يجعل الطلب عليه دائماً ومرتفعاً. مضيفاً أن الكتلة النقدية بالليرة توسعت خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تآكل قيمتها، بالتوازي مع تراجع الثقة بها وتحولها من وسيلة ادخار إلى مجرد أداة للتبادل، مع توجه واضح نحو (الدولرة). لذلك، فإن تدهور سعر الصرف هو نتيجة طبيعية لهذه التراكمات.

أمّا عن فترة الاستقرار السابقة، فيشير العلبي إلى أنها لم تكن نتيجة تحسن اقتصادي حقيقي، بل بفعل ثلاثة عوامل: تشديد السيولة بالليرة، وتدفق الحوالات الخارجية، إضافة إلى دور التوقعات التي خلقت حالة من الهدوء المؤقت. لافتاً إلى أن هذا “الاستقرار الإداري” لم يكن قابلاً للاستمرار، ومع تراجع تلك العوامل، عاد سعر الصرف للارتفاع في محاولة للحاق بقيمته الحقيقية بعد فترة من الكبح.

وهم” الليرة الجديدة”

حول طرح “ليرة جديدة” أو حذف أصفار من العملة، يوضح العلبي أن هذا الإجراء محاسبي بالدرجة الأولى ويهدف إلى تبسيط التعاملات وتقليل الأرقام، ولا يؤثر فعلياً على القوة الشرائية أو سعر الصرف. ما حدث هو خلق طلب مؤقت على الليرة نتيجة سحب السيولة، ما أعطى انطباعاً زائفاً بالاستقرار، دون تغيير في أساس المشكلة. لذلك يبقى تأثير هذا الإجراء نفسياً أكثر منه اقتصادياً.

أثر التوترات الإقليمية

يرى العلبي أن التوترات في المنطقة تنعكس على سوريا بشكل غير مباشر، مشيراً إلى أن الاقتصاد السوري يعتبر قليل الارتباط بالسوق العالمي، ولكن الأثر الواضح يأتي عبر ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، واضطرابات سلاسل الإمداد. لكن رغم ذلك، يبقى أثر هذه العوامل أقل من أثر الاختلالات الداخلية، بسبب ضعف اندماج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية. مشدداً على أن ضعف الإنتاج وشح القطع الأجنبي وهشاشة السياسة النقدية هي أكثر ما يحدد مسار الاقتصاد السوري.

ورغم الحديث عن انفتاح خليجي وأوروبي، يؤكد العلبي أن الاستثمارات الفعلية لا تزال محدودة. فالمستثمرون يحتاجون إلى بيئة مستقرة قانونياً ومالياً، مع ضمانات واضحة، وهي شروط لم تتوفر بعد بشكل كافٍ. مشيراً إلى أن السعودية أعلنت بالفعل استثمارات واتفاقات جديدة في سوريا خلال 2026، ما يعني أن الفرصة موجودة، لكنها تبقى شديدة الحساسية لأي تصعيد إقليمي أو اضطراب أمني ومالي واسع. لذلك الأثر المرجح هو الإبطاء والتأجيل أكثر من الإلغاء الكامل.

ولفت العلبي إلى غياب الاستثمارات في سوريا خلافاً لما يظهر في بعض وسائل الإعلام، فائلاً: “إن الإعلان عن النية بالاستثمار شيء، وبدء الاستثمار الفعلي واسع النطاق شيء آخر.” فالمستثمر المحلي، فيتصرف اليوم بمنطق دفاعي، مفضلاً التجارة السريعة أو الاحتفاظ بالدولار والأصول الآمنة، بدلاً من الاستثمار طويل الأجل، ما يعكس حالة عدم اليقين السائدة.

ويشير العلبي إلى أن سياسات حبس السيولة لم تنجح في كبح التضخم، بل ساهمت في خلق حالة من الركود التضخمي، حيث يتراجع النشاط الاقتصادي مع استمرار ارتفاع الأسعار، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

مخاطر الخصخصة في الظروف الحالية

أظهرت الحكومة الانتقالية السورية نيتها نحو الانتقال لخصخصة بعض القطاعات من بينها الصحة والتعليم، إذ حذر الاقتصادي محمد العلبي في حديثه الخاص لـ “الدليل” من تطبيق الخصخصة في الظروف الراهنة، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة، لما قد تحمله من مخاطر على المواطنين في ظل ضعف الرقابة وارتفاع معدلات الفقر. كما يرى أن هذا التوجه ليس جديداً، بل امتداد لسياسات سابقة، لكنه اليوم يأتي بدافع الضغوط المالية أكثر من كونه جزءاً من خطة إصلاح متكاملة، ما يثير تساؤلات حول نتائجه المحتملة.

ويقول العلبي في تقديره إن الخصخصة اليوم هي مزيج بين الاضطرار المالي المُلبَس بخطاب اقتصادي. أي أن الدولة، في ظل ضعف مواردها وعجزها عن الحصول على تمويل (داخلي وخارجي) وعدم رغبتها في إعادة تأهيل القطاع العام، تدفع باتجاه الخصخصة لأنها تريد التخلص من الأعباء، رغم أن ذلك يتنافى مع العقد الاجتماعي القائم بينها وبين المواطنين، والذي على أساسه تجبي الضرائب والرسوم، ولذلك فإنه من غير المحتمل أن تستطيع تحسين إيراداتها من خلال الخصخصة، فهي تدمر ما تبقى من قوة شرائية للمواطنين. هذا الخيار قد يُقدَّم ذلك على أنه إصلاح اقتصادي، لكن الدافع العملي مرتبط بأزمة الدولة نفسها، الدولة لا تملك استراتيجية لأي من القطاعات التي تريد خصخصتها، ولم تعد قادرة على تغطيتها مالياً، كما أنه من الواضح أنها لا تملك خيارات تنموية ناضجة ومتكاملة.

الخلاصة: الداخل هو العامل الحاسم

في المحصلة، يؤكد العلبي أن الأزمة الاقتصادية في سوريا ذات جذور داخلية بالدرجة الأولى، تتمثل في ضعف الإنتاج، وشح الموارد الدولارية، وتآكل الثقة، وغياب بيئة استثمارية مستقرة. أما العوامل الخارجية، فقد تؤثر في المسار، لكنها ليست السبب الأساسي.

ويخلص إلى أن أي استقرار لا يستند إلى إصلاحات حقيقية سيبقى مؤقتاً وقابلاً للانهيار، ورغم أن الخارج يضغط على الاقتصاد السوري ولكن – الداخل- هو الذي يحدد قابلية الاقتصاد للانهيار أو التعافي.

أضف تعليق

Trending