خاص | الدليل
في خضم الجدل المتصاعد حول ما يسمى أملاك السلطنة العثمانية في سوريا، يعود إلى الواجهة سؤال قانوني حساس: هل تستطيع تركيا اليوم المطالبة بهذه الأملاك استنادًا إلى إرث الدولة العثمانية؟
في قراءة قانونية قدّمها الأب القاضي مارون توما، باحث في شؤون السياسة الدولية، يتبين أن هذا الطرح لا يستند إلى أساس قانوني سليم في إطار القانون الدولي العام.
ويوضح توما أن المسألة لا ترتبط بفكرة زوال الدولة العثمانية أو استمرارها، بل تخضع لقواعد خلافة الدول، وهي القواعد التي تنظّم انتقال الحقوق والالتزامات أو انقضاءها بعد تفكك الكيانات السياسية.
وبحسب هذه القراءة، فإن تفكك الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى لم يترك المسائل القانونية والمالية والملكية معلّقة أو مفتوحة بلا نهاية، بل جرى تنظيمها ضمن إطار قانوني دولي واضح، شكّلت معاهدة لوزان مرجعيته الأساسية.
ويؤكد توما أن معاهدة لوزان لم تكن مجرد محطة سياسية في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، بل جاءت بوصفها المرجع القانوني الأساسي الذي نظّم القضايا الإقليمية والمالية والحقوقية الناتجة عن هذا التفكك، ورسّخ قيام الجمهورية التركية كدولة ذات سيادة.
وتُظهر هذه القراءة أن المواد من 65 إلى 72 من المعاهدة عالجت أوضاع الممتلكات والحقوق والمصالح في الأقاليم التي انفصلت عن الدولة العثمانية، ووضعت أطرًا قانونية وإجرائية واضحة لمعالجة هذه الملفات.
كما جاءت المادة 70 لتؤكد صراحة ضرورة تقديم المطالبات المتعلقة بهذه الحقوق ضمن مهلة محددة، لا تتجاوز ستة أشهر، أو اثني عشر شهرًا في بعض حالات التحكيم، ما يعني أن أي ادعاء كان يفترض أن يُثار ضمن ذلك الإطار القانوني والزمني المحدد، لا بعد مرور أكثر من قرن على تلك التسوية.
ويرى توما أن هذه المهل لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد تفاصيل إجرائية، بل تعبّر عن تقادم اتفاقي صريح يؤدي إلى سقوط الحق بالمطالبة بعد انقضاء المدة المحددة له، ويعكس إرادة دولية واضحة بإغلاق هذا الملف بصورة نهائية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير القراءة إلى أن المعاهدة أنشأت، بموجب المواد من 92 إلى 98، هيئات تحكيم مختلطة للنظر في النزاعات الناشئة عن هذه الحقوق، ما يعني أن أي نزاع من هذا النوع كان يجب أن يُطرح ويُحسم ضمن هذا الإطار القانوني، وليس بعد عقود طويلة من استقرار الأوضاع القانونية والسيادية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر توما أن معاهدة لوزان لم تكن ترتيبًا مؤقتًا، بل شكّلت تسوية نهائية وشاملة للمسائل المرتبطة بتفكك الدولة العثمانية، بما في ذلك الملكيات والديون والحقوق القانونية، وهو ما ينسجم مع أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي العام، والمتمثل في استقرار الأوضاع القانونية وعدم جواز إعادة فتح نزاعات تاريخية سبق أن حُسمت باتفاقيات دولية نافذة.
ويعزّز هذا الاتجاه أيضًا مبدأ التقادم في القانون الدولي، إذ إن مرور الزمن الطويل، مع استقرار الأوضاع القانونية والسيادية وغياب المطالبة الجدية، يؤدي إلى سقوط أي حق محتمل بالمطالبة، سواء تعلّق الأمر بالدول أو بالأفراد
كما يوضح توما أن هذه النتيجة لا تقتصر على الدول وحدها، بل تنسحب أيضًا على الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، لأن القواعد العامة في القانون الدولي والأنظمة القانونية الوطنية تقضي بسقوط الحقوق العينية والشخصية إذا لم تُمارس خلال مدد معقولة، فكيف إذا تجاوز الأمر قرنًا كاملًا من الزمن.
وبناءً على ذلك، يخلص توما إلى أن أي مطالبة معاصرة من قبل تركيا، أو من قبل جهات أخرى، بحقوق أو أملاك تعود إلى الحقبة العثمانية داخل الأراضي السورية، لا تستند إلى أساس قانوني قابل للاعتداد، سواء لمخالفتها أحكام معاهدة لوزان، أو لتعارضها مع مبدأ التقادم واستقرار الأوضاع القانونية في القانون الدولي العام.
وعليه، فإن الحديث اليوم عن حق قانوني تركي قائم في ما يسمى أملاك السلطنة العثمانية في سوريا، يبدو، وفق هذه القراءة، أقرب إلى خطاب سياسي وإعلامي منه إلى مطالبة قانونية يمكن أن تصمد أمام أي مسار قضائي معاصر.




أضف تعليق