قد تبدأ مرحلة جديدة من حياة لاجئ سوري في ألمانيا برسالة من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مفادها: “الحماية التي حصل عليها لم تعد قائمة”. لكن المسافة بين هذه العبارة ومغادرة البلاد تمرّ بإجراءات وقرارات وطعون، لا تختصرها عناوين “العودة الطوعية أو القسرية”. وهنا تقع القصة، دولةٌ توسّع مراجعات الحماية، وأشخاص تتوقف قدرتهم على البقاء على تفاصيل ملفاتهم، وتقييم بلد لم تستقر أوضاعه بعد.
رسائل سحب الحماية.. من تشمل؟
كشفت صحيفة “بيلد”، في 13 أكتوبر، عن قرار صادر في سبتمبر من 16 صفحة، يسحب صفة اللاجئ من صاحبه، ويرفض منحه الحماية الفرعية، ولا يقرّ بوجود موانع للترحيل. وبحسب الصحيفة، تصل قرارات مماثلة إلى سوريين لفتوا انتباه الشرطة، وآخرين غادروا ألمانيا مؤقتاً وعادوا إليها. ولا يحدّد المقال وجهات سفر هؤلاء أو طبيعة الوقائع الشرطية، ما يمنع اعتبارهم جميعاً مدانين أو عائدين من زيارة لسوريا.
كيف تبرّر السلطات قراراتها؟
يستند المكتب، وفق القرار الذي نقلته الصحيفة، إلى تغيّر الأوضاع بعد سقوط نظام الأسد، وسيطرة الحكومة الانتقالية على مناطق واسعة، وأعداد العائدين. ويقرّ بصعوبات الغذاء والسكن والكهرباء، لكنه يعتبر العودة ممكنة من حيث المبدأ، مستشهداً أيضاً بمساعدات العودة الطوعية. وهذه خلاصة تقييم إداري في حالة محددة، لا إعلان بأن جميع السوريين فقدوا أسباب الحماية.
واللافت أن القرار نفسه لا يتضمن إنذاراً بالترحيل، إذ يقول المكتب إنه يفتقر إلى الأساس القانوني اللازم لإصداره في هذه الحالة. أما محامي اللجوء فيليب بروي، فيتحدث للصحيفة عن ارتفاع إجراءات سحب الحماية خلال الأسابيع الأخيرة، وموجة طعون تتجه إلى المحاكم الإدارية.
مراجعات تتسع وأرقام تتصاعد
لفهم حجم التحول، تكشف أرقام سابقة أن المسار لم يبدأ برسائل سبتمبر. فقد نقلت “تاغسشاو” عن إجابة حكومية أن المكتب أنجز 8,320 مراجعة لحماية سوريين خلال النصف الأول من 2026، انتهت 23.2% منها بالسحب أو الإلغاء، مقابل 3.7% عام 2025. وهذه نسبة من الملفات التي راجعتها السلطات، وليست من مجموع السوريين في ألمانيا.
بدأت المراجعات بمرتكبي الجرائم والمصنفين تهديداً أمنياً، ومن علمت السلطات بسفرهم إلى سوريا. ومنذ منتصف يونيو، توسّع نطاقها تدريجياً ليشمل فئات أخرى، بينها أشخاص يُفترض أنهم يستطيعون تأمين معيشتهم في سوريا، بمفردهم أو بمساعدة عائلاتهم وشبكاتهم الاجتماعية، ولا تُعدّ لديهم احتياجات حماية خاصة. بذلك، أصبحت القدرة على العيش بعد العودة جزءاً أساسياً من النقاش.
بين سحب الحماية وفقدان الإقامة
مع ذلك، أكدت وزارة الداخلية، في المؤتمر الصحفي الحكومي يوم 21 سبتمبر، أن كل حالة تخضع لفحص منفرد، وأن الإعادة تتطلب التحقق من وجود التزام بالمغادرة قابل للتنفيذ. ولم تقدّم رقماً محدداً للمشمولين بالمراجعات آنذاك. هذا التفصيل يضع حدوداً للحديث عن سحب جماعي وتلقائي للحماية.
وتوجد مرحلة أخرى تتعلق بالإقامة نفسها. فبحسب الشبكة الألمانية المتخصصة باللجوء والهجرة، يختلف سحب الحماية الذي يقرره المكتب عن سحب تصريح الإقامة الذي تتولاه دائرة شؤون الأجانب. وعند النظر في الأخير، تدخل ظروف الشخص ومدة إقامته واندماجه والوضع في بلده في التقييم. لذلك، لا تكفي رسالة سحب الحماية وحدها لمعرفة النتيجة النهائية لملف صاحبها.
هل أصبحت سوريا آمنة للعودة؟
أما تقدير أمان العودة، فيواجه صورة أكثر تعقيداً في إرشادات الخارجية الألمانية. فالوزارة لا تزال، حتى 13 أكتوبر، تحذّر من السفر إلى سوريا، وتصف مناطق واسعة بأنها غير مستقرة وصعبة التوقع، مع تفجيرات وخطف وقتل خارج نطاق القانون. وتحذير السفر ليس حكماً يفصل في استحقاق اللجوء، لكنه يضيف سياقاً ضرورياً إلى مبررات العودة الواردة في القرار.
خطط لتسريع العودة.. وترحيل محدود
سياسياً، أفادت قناة “ntv” في 12 أكتوبر بأن وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت يعتزم طرح مشروع قانون خلال الخريف لتسهيل إنهاء الحماية وتسريع العودة. لكن الطموح السياسي لا يساوي حصيلة التنفيذ: نقلت القناة عن الوزارة ترحيل خمسة أشخاص فقط إلى سوريا بين 2025 ونهاية يوليو 2026. ولا يمثل الرقم حصيلة حتى أكتوبر، لكنه يوضح اتساع الفارق بين مراجعة الملفات وتنفيذ الإبعاد.
وبين الرسالة الأولى والقرار النهائي، يبقى السؤال معلقاً لكل شخص معني: هل انتهت حاجته إلى الحماية فعلاً؟ الإجابة تحتاج فحص ملفه وظروف عودته، فيما لا تزال تفاصيل أساسية في تقرير “بيلد”، بينها نطاق الحالات وأسس بعض التقديرات، بحاجة إلى توضيح مباشر من المكتب.






Leave a Reply