في سوريا الجديدة… حين يتحوّل الهاتف إلى مُخبر

تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، تسجيلات مصوّرة من داخل سيارات الأجرة ووسائل النقل العامة، يبدأ فيها مصوّر الفيديو حديثاً عابراً مع السائق، قبل أن يقوده تدريجياً إلى نقاشات سياسية أو معيشية شديدة الحساسية.

غالباً ما تدور هذه الأحاديث حول تدهور الأوضاع الاقتصادية، أو المقارنة بين الواقع الحالي والمرحلة السابقة، أو قضايا مرتبطة بالسجون والانتهاكات التي شهدتها البلاد. وفي بعض المقاطع، يبدو أن الأسئلة لا تُطرح بهدف فهم موقف السائق بقدر ما تهدف إلى استدراجه نحو إجابة قابلة للاقتطاع والنشر والإدانة.

المشكلة هنا لا تقتصر على انتهاك الخصوصية أو تصوير أشخاص من دون علمهم، بل تمتد إلى ما قد يترتب على النشر من تحريض اجتماعي وأمني، ولا سيما عندما يُكشف وجه السائق أو صوته أو مكان عمله، ويُقدَّم إلى جمهور واسع بوصفه متهماً قبل أن تتاح له فرصة التوضيح أو الدفاع عن نفسه.

ولا يعني الاعتراض على هذه الممارسات التساهل مع خطاب يمجّد القتل أو يبرّر الجرائم التي ارتُكبت خلال عقود حكم الأسدين. فالدعوة إلى حماية الخصوصية ورفض التشهير لا تتناقض مع ضرورة مواجهة خطاب الكراهية أو التحريض على العنف، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً حول الجهة المخوّلة بالمحاسبة، وحول الحدود الفاصلة بين التوثيق المشروع والتشهير الشعبي.

عندما يعتقد شخص أن حديثاً سمعه يتضمن تهديداً حقيقياً للأمن أو تحريضاً مباشراً على ارتكاب جريمة، فإن المسار الطبيعي يفترض توثيق الواقعة وتقديمها إلى الجهات المختصة، لا نشرها على الملأ وإطلاق محاكمة جماهيرية قد تعرّض صاحبها للاعتداء أو الانتقام.

وتثير هذه الظاهرة مخاوف من نشوء صيغة جديدة من الرقابة الاجتماعية. فبدلاً من مخبر الأجهزة الأمنية المعروف في عهد النظام السابق، يصبح كل هاتف محمول احتمالاً قائماً للتسجيل والتشهير. وقد يجد أي شخص نفسه أمام حديث مفتعل في سيارة أو متجر أو مكان عام، ثم يكتشف لاحقاً أن كلماته، وربما أكثرها عفوية أو انفعالاً، تحولت إلى مادة متداولة على صفحات عامة.

الأخطر أن هذا النوع من الملاحقة لا يجري دائماً وفق معايير واضحة أو متساوية. ففي الوقت الذي تتجه فيه السلطات إلى إجراء تسويات مع شخصيات عملت ضمن مؤسسات النظام السابق، ويواصل بعضهم الوجود في مواقع إدارية أو عامة، تُمنح عبارات عفوية صادرة عن مواطنين عاديين أهمية استثنائية، حتى عندما تأتي في سياق الشكوى من الفقر أو التعب أو تراجع الخدمات.

كما أن تصريحات أكثر وضوحاً وإثارة للجدل، صدرت عن شخصيات قريبة من السلطة، لم تلقَ في بعض الحالات مستوى الاستنكار أو التدقيق نفسه. وهو ما يعزز الشعور بأن المسألة لا تتعلق دائماً بمضمون الكلام وحده، بل بهوية قائله وموقعه وقدرته على حماية نفسه.

لا تحتاج سوريا الخارجة من عقود الخوف والصمت إلى استبدال مخبر رسمي بآلاف المخبرين المتطوعين، ولا إلى تحويل النقاشات اليومية بين المواطنين إلى كمائن مصوّرة. ما تحتاجه هو فضاء عام يسمح بالنقد والتذمر والتعبير، ويضع في الوقت نفسه حدوداً قانونية واضحة للتحريض والتهديد وتمجيد الجرائم.

إن بناء دولة جديدة لا يقاس فقط بتغيير أسماء المؤسسات والشعارات، بل أيضاً بقدرتها على حماية الناس من الخوف، ومن التشهير، ومن العقاب خارج القانون. فالعدالة لا تتحقق عبر مقاطع مجتزأة، ولا تُبنى الثقة في المجتمع عندما يشعر كل إنسان بأن الشخص الجالس إلى جواره قد يكون بصدد اختباره أو تسجيل حديثه ونشره.

بقلم: نور سليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *