خاص | الدليل – شهد غزالة
تشهد منطقة مساكن “الزهريات” حالة من تداخل المرجعيات العقارية عقب أحداث إخلاء أثرت على عشرات العائلات القاطنة في المنطقة، وذلك وسط مطالبات أهليّة بالوقوف على الحقيقة وتحديد المسؤوليات وتوضيح مصير الملكيات.
ماذا حدث؟
يروي أيمن -اسم مستعار- وهو موظف حكومي وأب لطفلين تفاصيل ما حدث ليلة 13 أيلول الجاري، مشيراً إلى أن مجموعة مسلحة برفقة كلاب بوليسية اقتحمت منطقة الزهريات جنوبي محافظة دمشق، عند الساعة الحادية عشرة مساءً، وفرضت حظر تجوال ومنعت الدخول والخروج. وبحسب “أيمن” بلغ عدد العائلات المتواجدة لحظة الاقتحام 35 عائلة، بينما كانت بقية العائلات قد غادرت سابقاً جراء تهديدات متكررة من الفصيل نفسه. ويضيف في حديثه لمنصة الدليل: “في صباح اليوم التالي، سُمح للسكان بالدخول لإخراج الأغراض الشخصية بشرط دخول شخصين فقط في كل دفعة، مع منع النساء والهواتف المحمولة. وتخللت عمليات الإخلاء إساءات لفظية.”
تحركات الأهالي وموقف المحافظة
من جانبها، أوضحت “ميرا” -اسم مستعار- القاطنة في حي الزهريات منذ أكثر من 40 عاماً، أن الأهالي نظّموا تجمعاً أمام مبنى محافظة دمشق بتاريخ 17 أيلول لمطالبة السلطات بتوضيح وضعهم القانوني ومصيرهم.
وأكدت لـ “الدليل” أن المحافظة خلال حديثها معهم نفت إصدار أي قرار رسمي يطالب بالإخلاء، مبيّنة أن ما حدث كان تصرفاً من مجموعة تابعة لوزارة الدفاع دون الرجوع إلى قرار قانوني. وأشارت ميرا في حديثها إلى “الدليل” أنهم قدموا شكاوى رسمية بمساعدة فريق قانوني لمعاقبة الفاعلين، مؤكدة حيازة الأهالي وثائق رسمية صادرة عن الحكومة تُثبت حقهم بالملكيات وفق القوانين والدستور السوري.


ثم عاد عدد من الأهالي للتجمع صباح يوم الإثنين 21 أيلول أمام مبنى المحافظة، لمحاولة تقديم شكوى ومقابلة المسؤولين. يروي الشاب محمد الجواد لمنصة “الدليل” تفاصيل المحاولة قائلاً: “دخلنا إلى الغرفة رقم 108 لتقديم طلب متعلق بـ”اغتصاب العقار”، لكونه يقع ضمن النطاق الإداري للمحافظة، وعندما طالبنا برؤية المحافظ قوبل بالرفض بحجة أن القرار صادر عن وزارة الداخلية”، ويلفت الجواد في حديثه إلى أن المعاملة كانت تتسم بالتجاهل وعدم الاكتراث، بالرغم من وجود قرار سابق يمنع الإخلاء إلّا بموجب توجيهات من المحافظة حصراً.
وأضاف الجواد أن الأهالي توجهوا إلى وزارة الداخلية، التي رفضت استقبالهم بدورها، ليتكرر السيناريو نفسه عقب توجههم إلى مخفر شرطة المزة ثم إلى فرع الأمن السياسي، حيث قوبلت محاولاتهم بالرفض التام للتعاطي مع الشكوى أو استلام الأوراق.
التطور العمراني للمنطقة
تتكون منطقة الزهريات من أربعة أقسام عمرانية: بنايات الزهريات، بنايات الخبراء، البرجيات، والبيوت العربية، وتُعد البيوت العربية الأقدم بينها، إذ بُنيت في السبعينيات، وشهدت توسعات متعددة توقفت عام 2003، وتضم حالياً 52 منزلاً تسكنها عائلات مدنية بالكامل. وتعود ملكية الأرض بالأساس لرفعت الأسد، وهو أخ الرئيس الأسبق حافظ الأسد، قبل أن تعود ملكيتها لاحقاً إلى المحافظة بعد نفيه خارج البلاد. لتشهد المنطقة بعد ذلك مرحلة جديدة من الإشغال والبناء ضمت بيوتاً مسبقة الصنع وعسكريين روس، قبل أن تتوسع لتصل إلى شكلها الحالي.

السجال الرقمي يُغيّب جوهر القضية
لم تقف أزمة “الزهريات” عند حدود النزاع العقاري والإخلاء الميداني، بل امتدت إلى المنصات الرقمية لتتحول إلى سجال وإعادة توجيه للرأي العام. وفي هذا السياق: يوضح الفنان لجين اسماعيل -وهو أحد سكان هذا الحي، والذين طالهم قرار الإخلاء- أن السوشيال ميديا ساهمت في حرف القضية عن مسارها الأصلي، قائلاً: “الموضوع تغير اتجاهه وذهب إلى زاوية أخرى بعيدة عن الموضوع الأساسي المتمثل في تهجير نحو 50 عائلة”. وأشار اسماعيل إلى أنه اضطر للظهور عبر مقطع فيديو لتصحيح المفاهيم الخاطئة وتفنيد الاتهامات الموجهة إليه ولعائلته بسبب الخلفية العسكرية لشقيقه، مؤكداً حيازة عائلته وثائق رسمية تُثبت ملكيتهم وحقهم في المنازل منذ عقود.
كما انتقد اسماعيل غياب دور المؤسسات الصحفية والنقابية المفترض في التقصي والاستماع لجميع الأطراف، موضحاً أن نقابة الفنانين والصحافة لم تتواصل معه للوقوف على التفاصيل، بينما اقتصر التواصل على مبادرات شخصية من أصدقاء تعرض بعضهم لهجمات إلكترونية نتيجة موقفهم، لافتاً إلى أن التواصل مع الجهات المعنية لم يثمر عن تجاوب ملموس، مما دفعه للخروج علناً للرأي العام.
ماذا يقول القانون أمام الإخلاء؟
يوضح المحامي إيهاب عبد ربه لـ” الدليل ” أن القضية تندرج ضمن الوضع القانوني المعقد الناتج عن سياسات الاستملاك السابقة التي خلفها نظام الأسد، مشيراً إلى أن القاطنين يحملون قرارات محكمة تؤكد ملكيتهم وحيازتهم القديمة للعقارات سبقت مرسوم الاستملاك، وبالتالي لا يمكن إخراجهم دون إجراءات قانونية وأحكام قضائية مبرمة، مؤكداً الحاجة لرفع دعاوى قضائية تؤسس على قواعد قانونية جديدة.
القانون الدولي يجرم التهجير القسري
يُصنّف الإخلاء الإجباري للمنازل دون قرار قضائي أو قانوني كـ “تهجير قسري” محظور بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة -والتي تُعد سوريا طرفاً موقّعاً عليها منذ عام 1953-، كما يُعد انتهاكاً للمادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث يُشترط لشرعية الإخلاء وجود قرار قضائي عادل، وضرورة قصوى، وإنذار مسبق، مع توفير السكن البديل والتعويض العادل.

قراءة في طبقات الحقوق ومعايير الإخلاء
وفي قراءة تحليليّة للملف العقاري المترابط بين المعضمية والسومرية والزهريات، يوضح نقيب الصحفيين الأحرار سامر ضيعي في حديثه لمنصة “الدليل” أن الخطأ الأساسي في مقاربة القضية يكمن في اختزالها بكونها “مساكن مخالفة على أملاك عامة”، أو بالمقابل افتراض ملكية عقارية كاملة لجميع الساكنين.
:ويُفند ضيعي الإشكالية عبر النقاط التالية
تعدد طبقات الحقوق: هناك فرق قانوني جوهري بين ملكية الأرض، وملكية البناء، وحق الإشغال أو التخصيص، والحق في السكن البديل. فملكية الدولة للأرض لا تعني تلقائياً أن القاطن فوقها بلا حقوق، خصوصاً مع وجود قرارات سابقة لتثبيت الملكية أو التعويض عبر “لجان حل الخلافات”.
استقلالية كل عقار: لا يجوز تعميم وثائق منطقة (كالسومرية) على كامل منازل (الزهريات)؛ إذ يتوجب فحص الصحيفة العقارية والسند القانوني لكل أسرة على حدة.
شخصية المسؤولية: الخدمة السابقة لأحد أفراد العائلة في مؤسسات أمنية أو عسكرية لا تُسقط الحقوق المدنية والسكنية للأسرة أو الورثة، فالمسؤولية القانونية فردية ولا تُورث.
معيار سيادة القانون: الإخلاء الذي يتم عبر أجهزة أمنية دون قرارات إدارية أو قضائية مسببة ومبلغة أصولاً من الجهة المختصة (المحافظة) يفتقد للمشروعية، ويتحول من إجراء تنفيذي إلى “إخلاء تعسفي”.ـ
بين روايات الأهالي المشبعة بالمخاوف ومطالبهم بالاستقرار، وبين تعقيدات التركة العقارية التي تراكمت عبر عقود، تكون قضية “الزهريات” نموذجاً حياً للتحديات التي تواجه الملفات الإعمارية والقانونية. وفي ظل عدم وجود قرارات رسمية موثقة تُجيز الإخلاء القسري، يبقى الاحتكام إلى المسارات القضائية الشفافة، وتوفير حق الدفاع، وحماية الملكيات والتعويضات المستحقة، هو الفاصل الوحيد بين تطبيق القانون وتكريس واقعٍ معقد جديد.
منصة الدليل حاولت التواصل مع المحافظة وعدة جهات أخرى إلا أنها لم تتلق أي استجابة من قبلهم.





Leave a Reply