محمد ضعون | خاص الدليل
تواجه مدينة سلمية وريفها في ريف حماة الشرقي تدهوراً بيئياً حاداً يهدد أمنها الغذائي، باتت خصوبة التربة في تراجع مستمر، وسط تحذيرات من تحول مساحات شاسعة من الأراضي المنتجة إلى أراضٍ قاحلة، في ظل غياب شبه تام للدعم الحكومي أو الدراسات الإنقاذية.
يتحدث المزارع فؤاد الصالح، صاحب أرض في الريف الشمالي لسلمية لـ “الدليل” عن الواقع الذي يعيشه الفلاحون مع الأرض التي لم تعد تنتج زراعياً بالشكل السابق، ويقول: “إنتاجية القمح تتراجع عاماً بعد عام بشكل مخيف، رغم التزامنا باستخدام الأسمدة المناسبة، وهذه الأزمة ليست فردية، بل يشترك فيها جميع أصحاب الأراضي المجاورة الذين باتوا يلمسون تغيراً في طبيعة التربة وقدرتها على العطاء”.
من جانبه، يؤكد عبد الرحمن قاسم، مزارع في الأراضي التابعة لإدارة الكلية الزراعية بجامعة حماة لـ “الدليل” أن تدهور التربة ليس وليد اللحظة، بل بدأ منذ أكثر من عقد، مشيراً إلى أن المزارعين والمؤسسات الزراعية اضطروا في بعض الأحيان لاستقدام “تربة طفالية” (وهي تربة خليطة متوازنة بين الرمل والطين والغرين تُعد الأمثل للزراعة) من المناطق الساحلية لتعويض الفقد الحاصل في الخصوبة، خاصة في مناطق الاستقرار الثانية والثالثة.
أسباب مركّبة للجفاف بين الأخطاء البشرية وعوامل المُناخ
تُرجع المهندسة جانيت ضعون، في حديثها لمنصة “الدليل”، أسباب هذا التراجع إلى تضافر عاملين أساسيين؛ العامل البشري المتمثل في نقص الوعي لدى المزارعين بآليات استخدام المخصبات الطبيعية والصناعية وإهمال اتباع نظام “الدورات الزراعية” التي تمنح التربة فرصة للاستشفاء، والعامل الطبيعي والبيئي الذي تأثر بشكل غير مباشر بتجفيف سهل الغاب، مما ساهم في جفاف حوض البادية الذي يعد المغذي المناخي والبيئي للمنطقة.
وفي السياق ذاته، يسلط الدكتور بشار الخطيب، وهو أخصائي التربة والأسمدة العضوية، في تصريح لـ “الدليل”، الضوء على الاستنزاف الضخم للمياه الجوفية نتيجة حفر الآبار الارتوازية العشوائي في عقود سابقة، موضحاً أن ارتفاع نسبة الملوحة في مياه هذه الآبار أدى إلى تضرر جزيئات التربة، ما أعاق قدرة الجذور على امتصاص الماء والمغذيات، وهو ما يفسر ظواهر “القزم والذبول واحتراق الأوراق” التي تضرب المحاصيل.
تداعيات المشاريع العشوائية وعجز المؤسسات الرسمية
وفي كشف جديد لـ “الدليل”، أوضح مدير دائرة الإصلاح الزراعي في المنطقة أن التدخلات الهندسية غير المدروسة ساهمت في الكارثة؛ لافتاً إلى أن سد قرية “تل التوت” يعمل على حجز السيول الفيضانية، لكن السد -الذي وُصف بالمبالغ في حجمه- تسبب في حرمان الأراضي من التربة اللحقية (وهي التربة الخصبة والمتجددة التي تنقلها مياه السيول وتترسب في السهول) الناعمة التي كانت تزيد من إنتاجية الأرض، كما أدى إلى تراجع معدل المياه الجوفية بنسبة تتجاوز 35%.
ولم تتوقف الأسباب عند هذا الحد، بل ساهم الرعي الجائر والحصاد العشوائي في تعرية الغطاء النباتي، وفقدان شجيرات مثل “السعرورة” التي كانت تلعب دوراً حيوياً في تثبيت التربة وزيادة خصوبتها. وفي هذا الصدد، أشار مدير الدائرة لـ “الدليل” إلى عدم قدرة المؤسسة حالياً على تقديم أي مساعدة تذكر للمزارعين، في ظل غياب الدراسات الفنية قيد التنفيذ، ونقص المواد الأولية اللازمة لمكافحة التصحر؛ وهو ما ينذر باتساع رقعة الأراضي غير المنتجة، وتفاقم الأزمة التي تمس حياة الفلاحين وسكان المنطقة بشكل مباشر.




أضف تعليق