نورمان العباس | خاص
أثار توقف خدمة تطبيق “شام كاش” خلال الأيام الماضية موجة من الجدل بين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الموظفين عليه في استلام رواتبهم وتحويل أموالهم. وأدى هذا التوقف إلى طرح تساؤلات حول أمان التطبيق ومدى تأثير الأعطال التقنية على الحسابات والأرصدة.
وفي بيان نشرته الصفحة الرسمية للتطبيق على موقع “فيسبوك”، أكدت إدارة “شام كاش” أن جميع الخوادم (السيرفرات) وقواعد البيانات تعمل بشكل طبيعي ولم تتعرض لأي خلل تقني. وأوضحت أن سبب المشكلة يعود إلى “بلاغات متكررة ومنهجية” استهدفت النطاق (الدومين) الخاص بالتطبيق من قبل مجموعة من الأشخاص، مما دفع مزود خدمة الاستضافة إلى إيقافه مؤقتاً وفق سياساته المعتمدة.
تقول “عذاب محمد” (اسم مستعار)، وهي موظفة في إحدى الشركات الحكومية، إنها حتى تاريخ اليوم لم تتقاضَ راتبها، الأمر الذي سبب إحراجاً وضيقاً للعديد من الموظفين المرتبطين بالتزامات مالية ومعيشية. وتشير إلى أنه طُلب منهم قبل نحو أسبوعين تحديث التطبيق، وهو إجراء يتكرر دورياً، لكنها ترجح أن يكون العطل الذي أصاب التطبيق هو السبب المباشر في تأخر صرف الرواتب، خاصة أنه لم يتم حتى الآن الإعلان عن موعد محدد للصرف.
وتضيف أن هذا التأخير جعل الشك يتسرب إليها حول مدى أمان التطبيق، لا سيما أن المستخدمين يودعون فيه بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية إضافة إلى رواتبهم، مما يزيد من قلقهم في حال حدوث أي مشكلة تقنية أو توقف مفاجئ للخدمة.
فقدان الرقابة والتبعات المالية لها
تواصلت “الدليل” مع وزارة المالية للحصول على توضيحات حول توقف تطبيق “شام كاش” وتأثيره على استلام رواتب الموظفين، لكنها لم تتلقَّ أي رد على أسئلتها، وكان الرد الشفهي: “لا توجد جهة حكومية يمكنها الرد على هذه الاستفسارات، لأن التطبيق يتبع لشركة خاصة”.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن توقف التطبيق يؤثر سلباً على سمعة القطاع المصرفي والمالي في ظل غياب جهة رقابية واضحة؛ إذ يتحمل القطاع المالي الرسمي تبعات هذا الفشل لكون المواطن يعتبر التطبيق جزءاً لا يتجزأ من المنظومة المالية للدولة.
ويؤكد أن مسؤولية الحكومة، ممثلة بالمصرف المركزي، لا تقتصر على الترخيص فقط، بل تشمل بناء منظومة دفع إلكتروني آمنة وشفافة، مع تقديم ضمانات رسمية لأموال المستخدمين، بما في ذلك إنشاء صندوق حماية مستقل للمودعين.
ويشير محمد إلى أن الاعتماد “شبه الاحتكاري” على تطبيق واحد يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار المالي للمواطنين والاقتصاد ككل، مشدداً على أهمية إنشاء نظام دفع وطني متعدد القنوات، وتشجيع وجود عدة تطبيقات مرخصة، بما يضمن حماية أموال المواطنين ويمنحهم حرية الاختيار.
كما يحذر من أن الاعتماد على قناة واحدة فقط يعرض المستخدمين لمخاطر تبدأ من الهجمات التقنية مثل “هجمات حجب الخدمة” أو الاختراقات التي تستهدف سرقة البيانات والأرصدة، وصولاً إلى الأخطاء البرمجية أو البشرية التي قد تؤدي إلى فقدان بيانات المعاملات. وتشمل المخاطر أيضاً الجانب المالي؛ إذ إن أي توقف للتطبيق يؤدي إلى تجميد الأموال ووضع المستخدم تحت رحمة سياسات الشركة الخاصة.
الأمان لا يعني فقط أن “الأموال لم تُسرق”
من جهته، يرى الخبير التقني ومهندس الذكاء الاصطناعي عمار الناطور، أنه من الصعب الجزم بأن التطبيق آمن بشكل كامل حالياً، لكن في الوقت نفسه لا توجد معلومات مؤكدة تشير إلى حدوث اختراق للحسابات. ويشير إلى أن التوقف المفاجئ للخدمة بحد ذاته يزعزع ثقة الجمهور، خاصة أن شريحة واسعة من السوريين باتت تعتمد عليه في معيشتها اليومية.
ويؤكد الناطور أن الأمان في التطبيقات المالية لا يقتصر على حماية الأموال من السرقة، بل يشمل استقرار الخدمة وضمان عدم تعطلها، ووجود أنظمة بديلة للتعامل مع الخلل بسرعة.
ولتعزيز الثقة، يوضح الدكتور ضرورة وجود إجراءات صارمة مثل “التحقق بخطوتين”، والتشفير القوي للبيانات، والمراجعات الأمنية الدورية، وأنظمة النسخ الاحتياطي التي تضمن عودة الخدمة فوراً. كما يشدد على أن “الشفافية” هي المفتاح، من خلال إعلام المستخدمين بحقيقة ما جرى وكيفية منع تكراره. ويبين أن ما حدث يعطي إشارة قوية إلى وجود فجوة في “إدارة المخاطر” أو الجاهزية التقنية. فعندما يصبح تطبيق واحد هو الوسيلة الأساسية لرواتب الآلاف، يجب أن تكون بنيته قوية جداً وقادرة على تحمل الضغوط، لأن أي توقف بسيط قد يتحول إلى أزمة اجتماعية.
ويرى الناطور في ختام حديثه ضرورة فرض معايير أمان عالمية على أي تطبيق مالي، مع وجود جهة رقابية تتابع الالتزام الفعلي بهذه المعايير، مؤكداً أن الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بالبنية التقنية الصلبة والشفافية التامة.




أضف تعليق