خاص | ليلى زرزور

تعيد الدراما السورية اليوم إلى ذاكرة السوريين مشاهد الاعتقال وما جرى داخل السجون من انتهاكات وتجارب قاسية خلال السنوات الماضية، ومع عرض هذه الأعمال، يثار جدل واسع حول دور الدراما في تناول هذه المرحلة الحساسة، وحدود مسؤوليتها بين التوثيق ومراعاة الأثر النفسي على الناجين وعائلات الضحايا، وما إذا كانت هذه الأعمال تسهم فعلاً في نقل وتوثيق الحقيقة، أم أنها قد تعيد فتح جراح لم تُغلق بعد  فبالنسبة لكثيرين، لا تُستقبل هذه المشاهد بوصفها مجرد عمل درامي، بل تتقاطع مع ذاكرة لا تزال حيّة، وتُعتبر تذكيراً مباشراً بتجارب شخصية آثارها مستمرة حتى اليوم.

مسلسلات دموية وآثار نفسية

تتجدد ذكريات الألم في شهر رمضان بالنسبة للسيدة مريم الحلاق، الأم المؤسسة لرابطة عائلات قيصر ووالدة الشهيد المعتقل تحت التعذيب أيهم غزول، تقول لـ”الدليل” إن هذا الشهر الذي يجمع عادةً أفراد الأسرة على مائدة الإفطار، يصبح مؤلماً بالنسبة لها، إذ إن أفراد عائلتها مشتتون في أصقاع الأرض كما حال معظم السوريين، وأصغرهم شهيد تحت التعذيب، وما يزال مكان دفنه مجهولاً، وتوضح في حديثها: “المسلسلات التي تجدد آلامنا وتحرق قلوبنا كأهالي ضحايا وناجين، برؤية ما يمكن أن يكون أبني وأبنائهم قد تعرضوا له من تعذيب، تجعلنا نسمع صراخهم ونشعر بآلامهم. كيف توصلوا إلى أن تكون قلوبهم بهذه القسوة؟”.


وتنتقد الحلاق التبريرات التي يستخدمها صناع هذه الأعمال بعرض هذه المشاهد بدعوى توثيق إجرام النظام السوري، مشيرة إلى أن الثورة السورية موثقة بالفعل من خلال آلاف السجلات والفيديوهات الحقيقية والمنظمات الدولية المختصة بالتوثيق. مضيفةً: “نحن ننتظر معرفة أين أبناؤنا، كيف قتلوا، وأين دفنوا، بينما القتلة ما زالوا أحراراً، يتمتعون بحياة رغيدة، يتجولون ويسافرون، وربما ينظّرون علينا كيف تتم التضحية، بينما نحن نتوق لمعرفة مكان دفن رفات أبنائنا. نتطلع إلى يوم نرى قتلتهم خلف القضبان ويحاكمون على الملأ.” وختمت حديثها بالقول: “عندما تُعرف الحقيقة وتتم محاسبة المجرمين، وتبدأ العدالة الانتقالية، يمكنكم حينها صنع أفلام وملاحم ومسلسلات، والمشاركة في سباق رمضاني يعود عليكم بالجوائز. وقد نكون شهوداً نساعدكم، حينها فقط.”

وفي هذا السياق، قالت معتقلة سابقة رفضت الكشف عن اسمها لـ”الدليل” أن التأثير النفسي لهذه الأعمال على أسر المعتقلات يكون في كثير من الأحيان أشد حدة مما يكون على المعتقلة نفسها، إذ تعيش أسر المعتقلات شعوراً مستمراً بتأنيب الضمير والعجز، وتبقى في ذاكرتهم فكرة عدم قدرتهم على حماية بناتهم في تلك الفترة الصعبة. وتوضح أيضاً أن هذه الأعمال غالباً تُعرض بدافع الربح وليس التوعية، متجاهلة الأثر النفسي العميق على العائلات وإعادة فتح الجراح.

 المخاطر النفسية لإعادة تمثيل الصدمات

تواصلت “الدليل” مع الاختصاصية النفسية روزن قطرنجي والتي تعمل مع المحررين والمحررات في رحلة استعادة التعافي والتمكين، تؤكد في حديثها أن ليس كل ألم أو تجربة يمكن تمثيله درامياً. وأن إنتاج مسلسلات تعيد تصوير السجون، التعذيب والانتهاكات في مجتمع لا يزال 90٪ من أفراده إما معتقلين سابقين أو ذوي معتقلين، لا يقتصر أثره على التوثيق، بل يعيد فتح جروح لم تلتئم بعد. وتسأل قطرنجي: “ما شعور أم الشهيد وهي ترى مشاهد العذاب؟ ما شعور عائلة المفقود التي لا تعرف إن كان حيّاً أم لا؟ ما شعور الأب الذي دفع عمره وماله ليستعيد ابنه ولم يعد؟ وما شعور الناجية من الاعتداء وهي ترى قصتها تُعرض بلا سياق علاجي ولا حساسية؟”.


وتروي قطرنجي لـ “الدليل” عن قصة حدثت في إحدى جلساتها: “في إحدى جلساتي، قالت لي معتقلة سابقة: كنا نشاهد المسلسل، جاءت لقطة الاعتداء، سألني أبي: “هيك صار فيكن؟” تخيّلوا ماذا يعني هذا السؤال، وكيف يمكن لمشهد واحد أن ينسف سنوات من محاولة النسيان أو الترميم أو الصمت الواقي”.
وتوضح الاختصاصية أن إعادة عرض الصدمة دون إطار داعم يمكن أن تؤدي إلى إعادة استحضار الألم وترسيخ صورة نمطية تختزل الناجين في لحظة انتهاكهم فقط. وتؤكد أن الناجون ليسوا مجرد “قصص عذاب”، بل أشخاص نجوا ويحاولون استعادة ذواتهم وأدوارهم وأحلامهم.

وتضيف: “ترسيخ صورة أن كل من دخل السجن تعرّض لنفس الانتهاك هو ظلم جديد ووصمة إضافية ومصيبة اجتماعية ستلاحقهم لسنوات.”


وترى قطرنجي أن الدراما التاريخية ممكنة إذا كانت بعيدة عن جيل الناجين المباشر، مثل أحداث مجزرة حماة عام 1982، أما آلام المعتقلين الحاليين فهي ليست لعبة أو مادة تشويق أو حبكة درامية، بل جراح حيّة تمشي بيننا. وتختم بالقول: “أول شروط الشفاء هو الأمان، وأقل ما يمكن أن نقدمه للناجين هو أن لا نعيد تعريضهم للأذى باسم الفن.”

أضف تعليق

Trending