خاص | إيلي زغيب
(مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ) (مت 4:4)؛ بهذه الكلمات التي واجه بها السيد المسيح تجربة الجبل بعد صيام “أربعين نهاراً وأربعين ليلة” في البرية، يتحدد جوهر الصوم الكبير في المسيحية. فهي دعوة للارتقاء بالنفس البشرية من الانغماس في “الماديات” إلى رحاب “الروحيات”، وهي القاعدة التي تتأسس عليها أقدس طقوس الإيمان المسيحي وأطولها.
مسيرة الخمسين يوماً: من البداية إلى القيامة
يُعد الصوم الكبير، أو “الصوم المقدس”، الرحلة الروحية الأهم في حياة السوريين المسيحيين بمختلف طوائفهم. وعلى خلاف ما قد يعتقده البعض في حساب الأيام، فإن الصوم يمتد في مجمله على مدار 50 يوماً، تبدأ من يوم الاثنين (حسب التقويم) وصولاً إلى أحد القيامة المجيد. هذه الفترة ليست مجرد انقطاع عن الطعام، بل هي محطات متصلة تبدأ بالأربعين يوماً اقتداءً بالمسيح، وتتوج بأسبوع الآلام الذي يسبق العيد الكبير.
جوهر الصيام: انقطاع كلي عن “الزفر”
يتسم الصيام بانقطاع محبب؛ إذ يمتنع الصائمون تماماً عن تناول أي منتج حيواني (اللحوم، الألبان، الأجبان، والبيض)، ويُطلق عليه شعبياً “الصيام عن الزفر”، وتتحول الموائد في هذه الفترة إلى ابتكارات نباتية تعتمد كلياً على خيرات الأرض من حبوب وبقوليات وزيت زيتون، ليكون الطعام وسيلة لتعزيز الصحة الجسدية وليس غاية بحد ذاته، مما يساعد المؤمن على التحرر من سطوة الشهوات الحسية.
أعياد تتجلى في قلب الصوم
تزدحم هذه الخمسين يوماً بمناسبات روحية كبرى في سوريا، حيث يلتقي فيها الصوم بالبشارة والفرح:
- عيد البشارة: الذي يحل في الخامس والعشرين من آذار، ويُعد نقطة مضيئة وسط الصيام، حيث يحتفل المسيحيون ببشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم.
- أحد الشعانين: حيث تزدان الكنائس بأغصان الزيتون وسعف النخيل، ويحمل الأطفال شموعهم المزينة التي تعلن اقتراب نهاية الرحلة.
- الجمعة العظيمة: يوم الصمت والخشوع، حيث تمتزج أصوات الكنائس بتراتيل الآلام، في مشهد وجداني مهيب يوحد القلوب.
- عيد القيامة: وهو ذروة الصيام وخاتمته، حيث تُقرع الأجراس ابتهاجاً بقيامة المسيح، معلنةً انتصار الحياة على الموت والروح على الجسد.
الأبعاد النفسية والروحية: ترويض النفس
بعيداً عن الامتناع عن الطعام، يحمل الصوم بعداً نفسياً وتربوياً عميقاً، فهو تمرين يومي على ضبط النفس ومقاومة المغريات، ووسيلة لتنقية الروح من “شوائب” الحياة اليومية من حقد أو غضب حيث يرى المسيحيون في الصيام فرصة لاستعادة التوازن الداخلي، حيث يحل السلام النفسي محل التوتر، والتعاطف مع الفقير بدل الأنانية، إنها فترة استعداد حقيقي، ليس للعيد كمناسبة دينية فحسب، بل للقيامة كحالة روحية تعني تجديد الإنسان لنفسه وانطلاقته نحو حياة أكثر نقاءً ومحبة.
صدى التراتيل والبخور
لا يكتمل الصيام دون الحضور اليومي في الكنائس حيث تكتظ بصلوات “النوم الكبرى” و”المدائح”، حيث تمتزج رائحة البخور العتيق بأصوات الجوقات التي ترتل ألحاناً شرقية بيزنطية وغربية عريقة. هذه الطقوس تضفي سكينة على الشارع السوري، خاصة في الأحياء القديمة، حيث يصبح صوت الجرس لغة للتواصل الروحي تعيد ترتيب أولويات الإنسان وسط ضجيج الحياة.
ابتكار من قلب البساطة
لطالما برعت “الست السورية” في تحويل قائمة الطعام الصيامية إلى مائدة غنية بالفوائد والمذاق، يُعتبر زيت الزيتون السوري البطل الأول، حيث تزدهر أطباق “المجدرة” بأنواعها، و”الكبة الحيلية” (الخالية من اللحم)، و”يخنة الفاصولياء بالزيت”. كما تحفل المائدة بالمقبلات الشهيرة مثل “الفتوش” و”التسقية بالزيت”، أما الحلويات فتتألق “المشبك” و”العوامة” اللتين تُحضرنا خصيصاً لتناسب فترة الصيام لخلوهما من الحليب والبيض، مما يضفي نكهة خاصة على سهرات العائلات.
التكافل الاجتماعي: صيام الأيدي والقلوب
في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها سوريا، يبرز الصوم كحالة من التكافل الاجتماعي حيث لا يقتصر الأمر على الصلاة، بل يمتد ليكون “صياداً للخير”؛ حيث تنشط المبادرات الكنسية والشبابية لتوزيع “حصص الصيام” الغذائية، والتأكد من أن كل عائلة قادرة على إتمام صيامها بكرامة، فالصيام هنا يصبح رسالة تضامن، يتقاسم فيها السوريون القليل من الطعام والكثير من المحبة. وهكذا يبقى الصوم الكبير في سوريا، برغم الظروف، مساحةً للأمل وصلاةً جماعية تمتد لخمسين يوماً، يثبت فيها المؤمنون أن “الكلمة التي تخرج من فم الله” هي الزاد الحقيقي الذي يمنحهم القوة للاستمرار.





أضف تعليق