خاص | سوسن طه
سنوات عدّة من التهجير والدمار مرّت على الشعب السوري، تركت بين صفحاتها قصصاً لمصابي/ات حرب، قصصُ أناسٍ يحملون في أجسادهم ذاكرة الحرب التي لا تُمحى. وبينما تشهد سوريا مرحلةً جديدةً على كافة الأصعدة، يقف مئات الآلاف من الجرحى أمام سؤال هام: كيف يشاركون في بناء وطن، في حين لا يجدون لهم مكاناً في سوق عمله؟، جبهة جديدة لا تقل قسوة: سوق عمل صعب، ومجتمع لا يزال ينظر إلى “الإعاقة” قبل النظر إلى “القدرة”.
نور يعقوب (25 عاماً): “الذراع البلاستيكية حاجز بيني وبين وظيفة المحاسبة”.
تخفي نور ذراعها الصناعي تحت سترتها الطويلة، كأنها تحاول إخفاء فصل كامل من معاناتها. أصيبت عام 2016 بقذيفة في حمص، وفقدت ذراعها اليسرى. وبعد عامين من العمليات والتأهيل النفسي والجسدي، تعلمت استخدام الطرف الصناعي بمهارة مذهلة وبدأت تعليم نفسها المهارات المحاسبية وبرامج التدقيق المالي.
تقول نور لـ ” منصة الدليل”: “أتقن العمل على الكمبيوتر، يمكنني الكتابة بأسرع من كثيرين، وحتى البرامج المحاسبية أتعامل معها ببراعة. لكن كل مقابلة عمل تنتهي بنظرات شفقة أو خوف. مرة قال لي مدير: (مع احترامي لإصابتك، لكننا نخشى أن ترهقكِ البيئة هنا)، رسالتي الواضحة: لم أطلب شفقة، بل فرصة”.
عبد المولى ابراهيم: “تغلبت على البتر بتركيب الطرف.. واقع مصابي الحرب صعب ومتعب”.
كان عبد المولى طفلاً على طريق السفر قبل أن تُفقِده حادثة إطلاق رصاص نار ساقه اليسرى بعمر الخامسة عشر في ريف حلب، بترت ساقه اليسرى من فرق الركبة، وحينها قرر الانضمام للمشروع الوطني السوري للأطراف الصناعية، واستطاع عن طريقه أخذ منحة دراسية في ألمانيا، وبعد تركيب طرف صناعي متطور، بدأ العمل ضمن المجال الطبي لتركيب الأطراف الصناعية.
يتحدّث عبد المولى لـ “منصة الدليل”: “قدمت على وظائف بالقطاع العام، في بعض الأحيان كان أرباب العمل يراعوا أنني بلا طرف وأحياناً كانوا يعاملونني بالمساواة مع أي متقدم للوظيفة”. ويضيف: “واقع المصابين متعب وصعب جداً، يعيش المصابون معاناة كبيرة جداً إذ لا توجد بنية تحتية تساعدهم في المعيشة وفي الرعاية الصحية”. وينوّه عبد المولى بأنّه عانى من آلام عدّة لكنّه تغلّب على صعوبات البتر بعد تركيب الطرف، وينوّه أيضاً إلى أنّ الأطراف الصناعية ليست متوفرة لجميع المصابين، ولا يوجد مراعاة لظروفهم بشكل جيد في المواصلات العامة والشوارع والدعم الطبي.
ايلاف تكتوك (طالبة هندسة معلوماتية): “تعرّضت لإصابة بتر أدّت لفقدان رجلي نتيجة لاستهداف طيران عام 2013 بالقلمون بمنطقة جيرود، لدي طرف صناعي عوّضَت البتر لكن المجتمع هو من يبتر الفرص”
تشير إيلاف: “لقد تم تهميشنا سابقاً ولا نزال مهمشين، الكثير من ذوي الإعاقة غير متعلمين ووضعهم مع الزمن يسوء أكثر.. لا بنية تحتية ولا دعم بفرص العمل، يجب تثبيت نسبة لتمثيلهم بمجالات العمل العامة والخاصة، والأهم وتوفير تدريب مهني لهم وتحسين بيئة عملهم بحسب احتياجهم، وتأهيلهم نفسياً إلى جانب توعية الموظفين للمساهمة بتغيير النظرة السلبية تجاههم ولدمجهم”.
تواصلت منصة الدليل مع وزارة التنمية الإدارية للتعرّف أكثر على واقع مصابي/ات الحرب ونسبة وجودهم/ن ضمن الوظائف الحكومية الحالية، وهل سيتم تحسين الظروف المهنية بالمستقبل القريب، وتطبيق شروط توظيف تناسب هذه الشريحة، لكن لم تتلقَ المنصة أيّة إجابات عن مدى تحقيق الوزارة للنسب العالمية لتوظيف ذوي الإعاقة وإصابات الحرب ضمن الوظائف في القطاع العام.
من ناحية أخرى فإنه من الأهمية اليوم مناقشة قانون رقم 34 لعام 2004 والذي هدف حينها إلى تحسين حياة ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع، وتوفير الحقوق الصحية والتعليمية والعملية لهم، سيما على صعيد العمل حيث تلتزم المؤسسات الرسمية بتوظيف نسبة لا تتجاوز 4% من ذوي الإعاقة.
وفي ظل التغيرات التي تشهدها سوريا، فالعيون تتطلع لإصدار قانون جديد يتناسب مع الظروف التي يعيشها السوريون بحيث العمل على إعداد مسودة قانون تلزم الجهات الرسمية بتوفير فرص عمل لذوي الإعاقة والعمل على تأهيلهم وتمكينهم بما يساعد على دمجهم في المجتمع.
الاختصاصية بالتأهيل النفسي يارا أحمد: “هناك تحديات جسدية ونفسية تؤثر على عملهم، ويجب توفير مثلث الدمج”.
تبيّن الاختصاصية يارا أحمد بأنّ جرحى الحرب يعانون من تحديات نفسية وجسدية خلال بحثهم عن فرصة عمل وبأنّ “سيكولوجية الوصمة في بيئة العمل السورية تأخذ شكل التمييز الإيجابي الزائد أو التهميش الناعم فإما المدير يُحاسب المصاب على أخطاءه بشكل دقيق وهذا الأمر جيد شكلياً لكنه يحرمه من التطور المهني أو يتم تهميشه بشكل ناعم أي يُعطى المصاب وظيفة بسيطة بدون استثمار لعقله ولخبرته وهذا أصعب أنواع الوصمة”.
وتشير الخبيرة يارا أحمد إلى أنّ غالب جرحى الحرب السوريين يتجهون للاقتصاد غير الرسمي، “بسطة أو محل صغير وأشغال حرّة”، ولا يوجد تطبيق فعلي للمعيار الدولي لتمثيل مصابي الحرب في المؤسسات الحكومية الرسمية.
وتقول: ” نحن بحاجة لقوانين حقيقية تضمن الأمان الوظيفي لذوي الإعاقة وحوافز ذكية وليس مجرد إعفاءات ضريبية بسيطة، على الدولة أنّ تتحمل جزء من التأمينات الاجتماعية عن الموظف الجريح أو تعطي أفضلية بالعقود الحكومية للشركات اللي توظف نسبة معينة من الجرحى”، وتضيف: “هناك نماذج نجاح حقيقية لمعامل في سوريا بـ “عدرا الصناعية” و”حسياء” حيث كيّفوا الآلات لتتماشى مع الحالة الصحية لذوي الإعاقة، فبدلاً من أن تعمل الماكينة بالضغط بالقدم أصبحت تعمل باليد، وهنا يتحوّل الجريح 100%”.
وتكمل الخبيرة لـ”منصة الدليل”: “الهندسة البيئية الدامجة لذوي الإعاقة هي مثلث، بيئة مادية وتواصلية وتشريعية داخلية، البيئة المادية تسمح للمصاب بالوصول لكل شبر بالشركة بكرسيه أو بعكازته بدون المساعدة من أي شخص، والبيئة التواصلية هي لوحات إرشادية واضحة ووجود لبرمجيات قارئة للشاشة وتدريب الموظفين على لغة الإشارة لدمج المصابين/ات سمعياً، وأيضاً البيئة التشريعية الداخلية التي تحمي الجريح من التنمر وتضمن له حق التكييف المعقول لظروفه الصحية”.
في الوقت الذي تحاول فيه سوريا النهوض من آثار حرب طاحنة، يحتاج مصابو/ات الحرب إلى دعم حقيقي يساعدهم على تحقيق ذواتهم والمساهمة في بناء سوريا الجديدة، هذا الدعم يرتكز إلى تطبيق قانون يحمي مصاب الحرب من البطالة ويضمن الاستفادة من خبراتهم بشتّى المجالات، فهل سيتحسن واقعهم في المستقبل القريب؟




أضف تعليق