خاص الدليل | عَروب حمّود
في مرحلة حساسة من تاريخ سوريا، وبعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع، تظهر مبادرات شبابية تسعى لإعادة بناء ما تهدّم، ليس فقط على مستوى الحجر، بل على مستوى الإنسان والعلاقات الاجتماعية. من بين هذه المبادرات، يبرز مشروع “مجتمع حمص السينمائي” كمثال حيّ على دور الفن، وتحديداً السينما، في خلق مساحات للحوار والتقارب والسلم الأهلي.

انطلق المشروع في مدينة حمص بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2025، بعد فترة قصيرة من سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وهي مرحلة اتسمت بحالة من الفراغ الثقافي والحاجة الملحّة لمساحات آمنة تجمع الناس حول قضاياهم وتجاربهم المشتركة. جاء تأسيس المشروع كمبادرة شخصية من ستة شباب وشابات تتراوح أعمارهم بين 20 و26 عاماً، جمعهم إيمان مشترك بأن السينما يمكن أن تكون أداة فاعلة للتغيير الاجتماعي وبناء السلام.

السينما كأداة للتغيير
يتحدث نوار البقاعي 24 عاماً، أحد المؤسسين، عن المشروع قائلاً: “أردنا أن نصنع مساحة في حمص حيث يستطيع الناس من مختلف الأعمار والخلفيات أن يجتمعوا ويتبادلوا الأفكار من خلال السينما. فنحن لا نعرض أفلاماً لمجرد التسلية، بل نؤمن بأن السينما أداة توثيق للحياة اليومية، ووسيلة للحوار، وطريقة لإعادة بناء الثقة بين الناس بعد سنوات من الانقسام.”
ويضيف البقاعي في حديثه لمنصة “الدليل”: “نسعى لأن يكون مشروعنا منصة لكل صناع الأفلام، ليستعرضوا أعمالهم ويشاركوا تجاربهم، ونحن كفريق صغير لكن ملتزم، نعمل على تقديم ورشات تدريبية ودعم لكل من يريد تعلم صناعة الأفلام، تطوير مهارات وثقل خبرات صناع الافلام المبتدئين من خلال إقامة ورشات عمل وتدريبات وماستركلاسز، من كتابة السيناريو إلى الإخراج والتصوير والمونتاج.”

نادي السينما.. شاشة ونقاش
منذ انطلاقه، نظّم المشروع سلسلة فعاليات كان أبرزها نادي السينما، عرض 21 فيلماً ملامساً للواقع السوري بين شهري نيسان 2025 وشباط 2026، وتلا كل عرض نقاش مفتوح مع الجمهور أدارته ميسّرات وميسّرون من فريق المشروع.
كما استضاف النادي أكثر من ثمانية مخرجين أو ممثلين عن فرق الأفلام، ما أتاح للجمهور فرصة نادرة للتواصل المباشر مع صنّاع الأفلام. وبلغ متوسط الحضور في كل عرض حوالي 20 شخصاً، مناصفة تقريباً بين الذكور والإناث، ومن فئات عمرية تراوحت بين 16 و85 عاماً.
يعلق نوار على هذه التجربة: “الحوار بعد كل عرض كان الجزء الأهم بالنسبة لنا، لأننا لم نرغب في مجرد عرض الفيلم فقط. أردنا أن نرى الناس يناقشون، يعبرون عن آرائهم، ويتواصلون مع بعضهم البعض ومع صناع الفيلم”.

الاستثمار في المواهب الشابة
يولي المشروع اهتماماً خاصاً بتطوير مهارات صنّاع الأفلام الشباب من خلال ورشات تدريبية متخصصة، حضر كل منها حوالي 20 مشاركاً، الأولى هي ورشة إخراج وسيناريو بعنوان “Eyes Wide Cinema” قدمها المخرج أنس الزواهري والسيناريست والباحثة سلوى أرسلان. بينما الثانية فهي ماستر كلاس عن كيفية رواية القصة بعنوان “الحكاية” قدمها الكاتب والباحث يعرب العيسى. أمّا الثالثة فكانت ورشة عن لغة الجسد أثناء عملية التصوير بعنوان “الفضاء فضاؤنا” قدمتها المصورة أودري أم جي.
يضيف البقاعي: “أردنا أن نقدم للأجيال الجديدة أدوات حقيقية لصناعة الفيلم، فالمشروع يدعم صناع الأفلام المحليين، مما يعزز من تطور القطاع الثقافي ويحفز الإبداع الفني في بيئة متجددة، ويمنحهم منصة لعرض أعمالهم أمام جمهور يتفاعل معها بوعي واهتمام. كما يخلق المشروع فرص عمل للشباب ويُنمّي مهاراتهم التنظيمية والإدارية من خلال مشاركتهم في إدارة الفعاليات وتنظيمها.

أثر ثقافي واجتماعي يتجاوز الشاشة
يمثل “مجتمع حمص السينمائي” اليوم نقطة تحوّل ثقافية في مدينة حمص، خصوصاً في مرحلة ما بعد الصراع، فمن خلال السينما والنقاشات المفتوحة يساهم المشروع في تعزيز الوعي الجمعي، وتشجيع الحوار، وتقبّل الاختلاف، وهي عناصر أساسية لبناء السلم الأهلي والتعايش. يقول البقاعي: “بعد عدة سنوات، أرى مجتمع حمص السينمائي كمساحة فنية ليلتقي فيها العاملون بالسينما القدماء بالجدد ليتبادلوا الخبرات ويتساعدوا على إنجاز مشاريعهم، كما نطمح ليكون لدينا شكل من أشكال الإنتاج السينمائي بحيث نلعب دور شركة الإنتاج، ولكن ليس من الناحية التجارية، إنما من ناحية تقديم الدعم وتبني المشاريع، أي رح نحاول يكون عنا شبكة علاقات من العاملين بمجال السينما الي مستعدين يتعاونوا مع بعض.”

يعتبر مؤسسو هذه المساحة الفنية أنهم يطمحون لأن يكون مكاناً يتميز عن غيره، من خلال العمل بقدراتهم المحدودة على تقديم عروض يومية في المستقبل القريب، تتضمن استضافات لمخرجين يلتقون بالجمهور ويتناقشون حول الأفلام، كما يسعون لتقديم ورشات تدريبية على مدار العام لضمان استمرارية تطوير المواهب الشابة، إضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي للمخرجين الذين يحاولون صناعة أفلام بقدرات مادية محدودة.
يمثل مجتمع حمص السينمائي نموذجاً حياً لإبداع الشباب السوري وقدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص للحوار والتقارب من خلال الفن.




أضف تعليق