آية كيوان، جودت غانم – خاص الدليل

​«نعيش على الهامش، نشعر بأننا عبء على الآخرين رغم كرمهم. هذا يؤلم أكثر من البرد»، بهذه الكلمات يعبّر نشأت (40 عاماً)، وهو أب لأربعة أطفال من الريف الغربي لمحافظة السويداء، في حديثه لـ “الدليل” عن الحال الذي وصل إليه آلاف المهجرين من منازلهم وقراهم في ريفي السويداء الشمالي والغربي، عقب الهجوم الذي شنته قوات تابعة لوزارة الدفاع السورية وقوات موالية لها على المحافظة في منتصف شهر تموز من العام الماضي 2025.

​يوضح نشأت الظروف التي مرّ بها أثناء النزوح قائلاً: «خرجنا من بيوتنا تحت جنح الظلام بثيابنا التي نرتديها تحت وابل الرصاص والقصف، لم نتمكن حتى من أخذ أوراقنا الثبوتية أو احتياجاتنا الأساسية». وفي إحدى الغرف الصفية لمدرسة ابتدائية جُهزت لتكون أحد مراكز الاستضافة المؤقتة في مدينة السويداء، يُضاف الخوف من البرد مع دخول فصل الشتاء إلى «الخوف من المستقبل». ويضاعف الواقع الميداني القاسي لهذه المراكز الأعباء على النازحين؛ إذ يصف نشأت الأوضاع داخلها: «الاكتظاظ شديد مع وجود عشرات العائلات في المبنى الواحد، وسط نقص في دورات المياه والكهرباء، إضافة إلى شحّ الفرش والبطانيات مع دخول فصل الشتاء».

​تشير تقديرات محلية إلى أن عدد المهجّرين في السويداء يتجاوز 180 ألف شخص، قدموا من أكثر من 30 قرية، معظمهم من الريفين الشمالي والغربي، كنتيجة مباشرة للانتهاكات والمجازر التي رافقت هجوم تموز الماضي، والتي شملت إلى جانب القتل، حرق منازل وأراضٍ وتهجير سكانها. في حين لا توجد أي إحصاءات رسمية أو إحصاءات دقيقة صادرة عن منظمات غير حكومية حول أعدادهم وحجم الخسائر التي تعرضوا لها في قراهم، بسبب تعذر الدخول إليها بعد الأحداث الأخيرة.

 لجأ جزء من هؤلاء إلى بيوت الأقارب، بينما اضطرت عائلات كثيرة إلى التوجه نحو مراكز الاستضافة المؤقتة، التي فاقت أعداد الوافدين قدرتها الاستيعابية بكثير، في مشهد يكشف هشاشة الاستجابة الإنسانية وعمق الفراغ الرسمي.

​في مراكز أخرى داخل المدينة، تبدو التدفئة مشكلة أساسية مع النقص الحاد في مصادر الطاقة. يقول “أبو علي” (اسم مستعار)، أحد المقيمين في مركز استضافة بالمدينة لـ “الدليل”: «المدافئ موجودة أحياناً، لكن من دون مازوت كافٍ؛ ننام بملابسنا الثقيلة، والبرد أقوى من كل المحاولات».

في المقابل، يقدّم مركز الاستضافة في بلدة الكفر صورة مختلفة نسبياً، تعكس دور المجتمع المحلي في سدّ جزء من الفراغ؛ حيث يذكر “أبو رامي”، أحد المقيمين هناك، أن أهالي القرية والمجتمع المحلي قدموا ما استطاعوا، مؤكداً أن وضع التدفئة جيد نسبياً بفضل متابعة لجنة الإغاثة الأسبوعية وتأمينها لكميات كافية من المازوت لجميع المقيمين.

​غير أن هذا التحسّن النسبي لا يلغي حجم النقص في جوانب أخرى؛ إذ يضيف أبو رامي: «الفرش المتوفرة لا يمكن مقارنتها بما كان موجوداً في بيوت الناس سابقاً، لكن المنظمات والمجتمع المحلي لم يقصروا ضمن إمكانياتهم. الغالبية لا تتقاضى رواتب، ولا توجد فرص عمل حالياً؛ الناس تعيش على ما يصلها من مساعدات، وهي غير كافية».

تكاتف للجهود المحلية مقابل غياب رسمي شبه كامل

​يعتمد المهجّرون بشكل شبه كامل على المبادرات الأهلية والفرق التطوعية في ظلّ ضعف الاستجابة الرسمية من قِبل الحكومة. وفي شهادة مشتركة لـ “الدليل”، تقول حلا (متطوعة في جمعية خيرية) وخالد (متطوع في فريق الهلال الأحمر): «أهل السويداء يفتحون بيوتهم وقلوبهم، نحن ننظم حملات تبرعات أسبوعية، لكن الحاجة أكبر من الجهد الأهلي. نعمل على الدعم النفسي، تأمين عيادات متنقلة، أدوية مزمنة، دعم التعليم، وبرامج للأطفال، وذلك بدعم من المغتربين وبعض المنظمات الدولية».

​في المقابل، أكد عدد من الأهالي والمهجّرين الذين تواصلت معهم “الدليل” أنهم لم يلمسوا أيّ دور رسمي لمحافظة السويداء؛ إذ لم تُسجَّل أي زيارة ميدانية أو دعم من قِبلها بقيادة المحافظ مصطفى بكور منذ بدء الأزمة، سواء على مستوى تقييم الاحتياجات أو تنسيق الاستجابة الإنسانية.

​ويؤكد طلال (58 عاماً)، القادم من أقصى الريف الشمالي لـ “الدليل”، عن أن المساعدة لا تقتصر على سلة غذائية أو مبادرة جمعية، بل يتطلع إلى انتهاء هذه الأزمة لإنهاء حالة عدم الاستقرار والتنقل الدائم، مؤكداً في ختام حديثه: «نتطلع للعودة إلى بيوتنا وأرزاقنا».

يأمل المهجّرون في حلّ جذري يعيد لهم حقهم في العودة إلى قراهم للبدء في إعمارها من جديد، في محاولة لاستعادة حياتهم الطبيعية وتجاوز آلام الفقد، قبل أن يتحول هذا النزوح المؤقت إلى واقع دائم.

أضف تعليق

Trending