في كل مناسبة يُفترض أن تكون عنواناً للفرح، يتكرر المشهد ذاته: إطلاق نار في الهواء، ثم صفارات إسعاف، وأسرّة طوارئ تمتلئ بالمصابين. ما بدأ كاحتفال، ينتهي غالباً بإصابات خطيرة أو فقدان أرواح بريئة. فالرصاص الطائش لم يعد حادثة عابرة، بل ظاهرة تتكرر مع كل فرح جماعي، تاركةً خلفها ألماً إنسانياً لا يُمحى.

أرقام مقلقة من غرف الإسعاف

في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، استقبل مشفى المواساة ثلاث حالات وفاة ونحو 115 إصابة نتيجة الرصاص الطائش خلال احتفالات التحرير. وفي 1 كانون الثاني/يناير 2025، سُجلت 12 إصابة أخرى، إضافة إلى ثلاث إصابات خلال احتفالات نتائج الشهادتين الثانوية والإعدادية.

يؤكد الدكتور محمد حسام الدين صطوف، رئيس شعبة الإسعاف في مشفى المواساة، أن إطلاق الرصاص العشوائي يؤدي إلى حالات وفاة وإصابات جسدية ونفسية دائمة، مشدداً على أن هذه الأفعال تتنافى مع أبسط القيم الإنسانية. ويقول: “الأمراض والجائحات لا نملك السيطرة عليها، فلماذا نستجلب الكوارث بإرادتنا؟ لا يمكن أن نحتفل بينما نتسبب بتعاسة عائلات كاملة”. ويضيف موجّهاً رسالة مباشرة لمطلقي النار:
“قد لا يُحاسَب الإنسان في الدنيا، لكن الله يرى”.

من جانبه، يوضح الدكتور محمد فرحات، أخصائي طب الطوارئ والعناية المشددة في مشفى المجتهد، أن إصابات الرصاص الطائش غالباً ما تكون شديدة الخطورة، نظراً لسقوط المقذوفات من ارتفاعات كبيرة، ما يؤدي إلى إصابات في الرأس والأطراف والصدر والبطن. ويشير إلى إحدى الحالات التي تعامل معها الفريق الطبي، حيث دخلت الرصاصة من الكتف واستقرت في البطن، ما استدعى إجراء عملية جراحية معقدة لفتح الصدر والبطن معاً.

بحسب الأطباء، فإن معظم هذه الإصابات تترك آثاراً دائمة، قد تصل إلى الشلل أو العجز المزمن، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي تطال المصاب وعائلته. وغالباً ما يكون مطلق النار غير مدرك لحجم الضرر الذي قد تُسببه رصاصته لشخص لا يعرفه.

ورغم أن المشافي تعمل على مدار 24 ساعة، إلا أن مستوى الجاهزية يُرفع بشكل خاص خلال الاحتفالات والمناسبات، تحسبًا لازدياد الإصابات الناتجة عن الرصاص الطائش.

قصة فقد… محمد المحب

محمد المحب، شاب فقد حياته نتيجة رصاصة طائشة خلال احتفالات يوم التحرير. في 7 كانون الأول/ديسمبر 2025، طرق أصدقاؤه باب منزله ليأخذوه للاحتفال. أيقظه والداه استجابة لطلبهم، لكنه لم يعد.
بعد دقائق، سُمع صوت إطلاق نار. خرج والده ليجد ابنه ملقى على الأرض، والدماء تغطي جسده. نُقل محمد إلى مشفى المواساة، لكن محاولات الإنعاش باءت بالفشل، وتوقف قلبه.
يتحدث والده عن ألمه، ويقول: “لو عرفت الشخص الذي أطلق النار، سأغفر له. لا أريد أن أكون سبب عذاب عائلة أخرى”. ويختتم والد محمد رسالته لكل من يحمل السلاح: “تخيّل أن هذه الرصاصة قد تصيب شخصاً تحبه. الفقد كبير، والله هو الملاذ”.

تكشف هذه الحوادث المتكررة الحاجة الملحّة إلى تعزيز الوعي بمخاطر استخدام السلاح خارج إطار القانون، وضرورة الالتزام بالتشريعات التي تحمي المجتمع. فالفرح لا يجب أن يكون سببًا لفقدان حياة، وإطلاق النار في المناسبات يترك آثاراً دائمة لا يمكن محوها.

أضف تعليق

Trending