خاص | عروب حمود

أوضح الباحث عبد الكريم القادري، العامل في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، تفاصيل ما جرى في المركز خلال السنوات الأخيرة، في سياق ما أُثير من تساؤلات حول حادثة السرقة الأخيرة في كانون الأول 2025.

وبيّن القادري أن مركز الوثائق التاريخية يتألف من ثلاث ساحات: الساحة الأولى هي مبنى مركز الوثائق التاريخية ذاته، وقد تعرّض لحريق كبير في تموز/يوليو 2023. أمّا الساحة الثانية فهي متحف دمشق التاريخي، وهاتين الساحتين منزل خالد العظم، أمّا الساحة الثالثة تُعرف باسم “مبنى المباني”، الذي شهد حادثة السرقة الأخيرة، وهذه الساحة تعود لمنزل زين العابدين.

حريق 2023.. دون مساس بالأرشيف

أشار الباحث التاريخي عبدالكريم إلى أن الحريق الذي اندلع عام 2023 في مبنى مركز الوثائق التاريخية كان واسعاً، إذ بدأ قرابة الساعة الرابعة فجراً واستمر نحو ثماني ساعات متواصلة. وقد امتد تأثيره إلى منزل “يوسف”، وهو مبنى أثري قديم كان مهملاً، شأنه شأن عدد من البيوت العربية القديمة التي كانت الدولة قد استملكتها منذ عام 1963، ومن بينها بيت خالد العظم ذو الساحتين وبيت يوسف، وذلك على خلفية الموقف الوطني المعارض الذي عُرف به خالد العظم.


وأكد القادري أن حريق عام 2023 لم يؤدِّ إلى احتراق أي وثيقة تاريخية، مشدداً على أن العاملين أصرّوا على تدوين ذلك صراحة في الضبط الرسمي، تحسباً لأي ادعاءات مستقبلية قد تخلط بين الحرق والسرقة في حال فقدان أي وثيقة لاحقاً.


وتحدث القادري عن قرار استباقي اتُّخذ في وقت سابق، حين كان الدكتور مأمون عبد الكريم مديراً عاماً للآثار والمتاحف بين عامي 2012 و2017، إذ تبيّن له أن مبنى مركز الوثائق، وهو في الأصل بيت عربي قديم، معرّض بشدة للحريق، وقد يتسبب به أي مصدر بسيط كعود ثقاب أو سيجارة، رغم احتوائه على كامل الأرشيف السوري. وعلى هذا الأساس، جرى نقل القسم الأهم والأكبر والأكثر قيمة تاريخية، وهو قسم الوثائق العثمانية، إلى قبو المتحف الوطني في وسط دمشق.


وأوضح الباحث التاريخي أن هذا القسم يضم ما يقارب مليون وثيقة على أقل تقدير، محفوظة ضمن سجلات وأضابير يحتوي كل منها على نحو ألف وثيقة، توثق قصصاً وقضايا وإدارات كاملة من تاريخ البلاد. وقد اختير قبو المتحف الوطني لكونه المكان الأنسب من حيث شروط الحفظ، إذ يتمتع بتهوية مناسبة تحمي الوثائق من العفن والغبار.


أما الأقسام التي بقيت في مركز الوثائق، فهي: القسم الصحفي الذي يضم صحفاً قديمة، وقد كانت موجودة أثناء الحريق الأخير دون أن يلحق بها أي ضرر؛ وقسم الصور والأرشيف الفوتوغرافي، الذي كان بعيداً عن موقع الحريق؛ إضافة إلى قسم الوثائق الخاصة وقسم وثائق الدولة. وقد جرى لاحقاً نقل أجزاء من القسم الصحفي، وجزء من وثائق الدولة، وجزء من الوثائق الخاصة.
وأشار القادري إلى أن الحريق أثّر على مكتبة المركز، التي كانت تضم عدداً من الكتب النادرة، وبعضها لا يملك سوى نسخة واحدة.


ولفت إلى أن المشكلات التي واجهها المبنى لم تبدأ مع الحريق، بل سبقه زلزال شباط/فبراير 2023، الذي أدى إلى تصدع جزء من المبنى بسبب قدمه، ما استدعى صدور قرار بإخلائه. إلا أن مهندسين مختصين عاينوا الموقع آنذاك وأكدوا أن المبنى آمن ولا داعي لنقل الوثائق، وهو ما جعل آثار الحريق لاحقاً أكثر تدميراً.

سرقة بهدف مادي

وفيما يخص حادثة السرقة الأخيرة التي وقعت بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2025، أكد القادري أن هدفها كان مادياً بحتاً، إذ أقدم السارقون على سرقة كبلات طاقة شمسية، وكسر بابين قديمين في حالة سيئة كونهما مصنوعين من الخشب، إضافة إلى سرقة حاسوبين محمولين، وهي “أسرع الأشياء التي تمكنوا من التقاطها”، بحسب تعبيره، ما ينفي أي صلة للسرقة بالوثائق.


وشدد القادري على أن جميع الوثائق محفوظة بأمان في قبو المتحف الوطني، ويتم تلبية طلبات الاطلاع عليها إلكترونياً ضمن أيام محددة، وفق الأصول المعتمدة. وختم بالقول إن حادثة السرقة الأخيرة، رغم محدوديتها، “مخجلة جداً” ولا يجوز تضخيمها أو ربطها بمصير الوثائق التاريخية المحفوظة بأمان.

أضف تعليق

Trending