في مشهد يختصر ملامح التحول السريع من التمرد إلى الحكم، شنّ الرئيس السوري أحمد الشرع حملة داخلية ضد الفساد بين صفوف الموالين والمقربين منه، في وقت بدأت تظهر فيه ملامح الثراء المفاجئ داخل الدائرة الحاكمة الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فقد عقد الشرع في أواخر آب/أغسطس اجتماعاً سرياً في باب الهوى بمحافظة إدلب، بعيدًا عن القصر الرئاسي في دمشق.
حضر الاجتماع أكثر من مئة من المسؤولين المدنيين وقادة الأعمال المقربين من السلطة، وكثير منهم وصل بسيارات فارهة من طراز كاديلاك إسكاليد ورانج روفر وشيفروليه تاهو.
عندها، وبنبرة غاضبة، خاطبهم الشرع قائلًا: «هل نسيتم أنكم أبناء الثورة؟ هل أُغريتم بهذه السرعة؟»، قبل أن يصادر عددًا من مفاتيح السيارات الفاخرة، في مشهد رمزي فُهم على أنه إعلان رسمي عن بدء حملة لمكافحة الفساد.
مصادر حكومية قالت إن الشرع أمر بالتحقيق مع كل موظف أو مسؤول يثبت امتلاكه لممتلكات تتجاوز دخله الرسمي، فيما نقلت وزارة الإعلام عن الرئاسة قولها إن اللقاء كان “وديًا وغير رسمي”، هدفه “تغيير ثقافة الاستثمار التي رسّخها النظام السابق”، مؤكدة أن الرئيس “لن يتسامح مع أي مظهر من مظاهر الفساد داخل الدولة”.
ضربة داخل البيت: إغلاق مكتب جمال الشرع
غير أن الحملة لم تتوقف عند حدود الموظفين أو رجال الأعمال، بل طالت أفراد العائلة نفسها.
فقد أمر الشرع بإغلاق مكتب شقيقه الأكبر جمال الشرع في دمشق، بعد اتهامات باستغلال صلة القرابة بالرئيس لترتيب صفقات تجارية مع مسؤولين ورجال أعمال، شملت مشاريع في الاستيراد والتصدير والسياحة.
وذكرت رويترز أن المكتب أُغلق بالشمع الأحمر، بينما غادر جمال العاصمة بعد القرار.
وكان جمال قد أصبح شخصية مألوفة في فنادق ومطاعم دمشق الراقية، حيث كان يتنقل بسيارة مرسيدس إس-كلاس سوداء بلا لوحات، في مشهد فُسّر على أنه استفزاز لخطاب التقشف الذي يرفعه شقيقه.
في اجتماع عائلي لاحق، حضره والده المسن، وجّه الشرع تحذيرًا شديد اللهجة لأفراد عائلته من استغلال اسم العائلة لتحقيق مكاسب شخصية “تحت طائلة المساءلة”، وفق ما نقل قريب حضر اللقاء.
نفوذ العائلة والمقربين
ما زال شقيقا الرئيس الآخران في مواقع حساسة داخل السلطة الجديدة؛ إذ يشرف حازم الشرع على ملف الأعمال والاستثمارات المحلية والأجنبية، بما فيها إدارة ملفات تخص مقاتلين سابقين من فصائل الثورة، في حين يتولى ماهر الشرع منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ويرأس اجتماعات رسمية ويحضر لقاءات مع وفود أجنبية، من بينها اجتماع الرئيس الشرع مع فلاديمير بوتين في موسكو هذا الشهر.
ورغم الخطاب الصارم ضد الفساد، تشير مصادر اقتصادية وسياسية إلى أن عددًا من المقربين من الرئيس لا يزالون يملكون الكلمة الفصل في القضايا المالية والاقتصادية، بعضهم دون مناصب رسمية معلنة.
رشاوى وتسويات مالية مشبوهة
تؤكد رويترز أن الفساد لا يزال متغلغلًا في مؤسسات الدولة الجديدة، حيث تحدث صناعيون ورجال أعمال عن اضطرارهم لدفع رشاوى ضخمة – بعضها تجاوز 100 ألف دولار – لوسطاء نافذين مقابل استمرار أعمالهم أو إطلاق سراح موظفين موقوفين بشبهة ارتباطهم بالنظام السابق.
أحد الصناعيين قال إنه دُفع له مرتين المبلغ نفسه، الأولى للإفراج عن عامل، والثانية للسماح له بالعودة إلى عمله.
وفي محاولة لتنظيم ما يُعرف بـ “تسويات رجال أعمال الأسد”، تسعى الحكومة إلى تمرير هذه الصفقات عبر لجنة الكسب غير المشروع التي أُنشئت مؤخرًا، على أن تُحوَّل الأصول المصادَرة إلى صندوق الثروة السيادي الجديد.
لكن المفارقة أن بعض أعضاء اللجنة أنفسهم يخضعون للتحقيق بتهم فساد، فيما تم توقيف المحاميين مالك جيوش ومحمد العيسى بتهمة “سرقة مزعومة لم تثبت بعد”، بحسب بيان رسمي.
نظام بلا مؤسسات
الباحث السوري حسام جزماتي، المتخصص في دراسة الجماعات الإسلامية، قال إن الشرع “يفتقر إلى أي إطار مؤسسي أو مرجعية يعتمد عليها في إدارة الدولة أو محاربة الفساد”.
وأضاف: “هو ليس نتاج دولة، بل نتاج جماعة. منذ عام 2003، يعمل ضمن بيئة ميليشيوية كانت السلطة فيها قائمة على التحالفات والمحسوبية والاحتكار”.
ويرى محللون أن الشرع يحاول عبر هذه الحملة المزدوجة – ضد الفساد وبين المقربين – تثبيت شرعيته في الداخل بعد عشرة أشهر من الإطاحة ببشار الأسد، غير أن بروز النفوذ العائلي والاقتصادي حوله يهدد بتحويل “الثورة” إلى نسخة جديدة من النظام الذي أسقطه.
تقرير رويترز – إعداد تيمور أزهري وفراس دالاتي





أضف تعليق