حنين قاسم | الدليل
في كل عام، ومع حلول الثاني عشر من شهر ربيع الأول، تعود الحياة في المدن والبلدات السورية لتتلون بأبهى صورها احتفالاً بذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. هذا اليوم لا يُعد مجرد مناسبة دينية، بل هو مساحة روحانية واجتماعية تجمع بين الابتهال والفرح الشعبي، وبين الألوان المضيئة والروائح الحلوة التي تملأ البيوت والأسواق.
الأخضر لون البهجة والإيمان
اللون الأخضر الذي يزين الشوارع والبيوت في عيد المولد النبوي الشريف ليس اختياراً عابراً، بل يحمل دلالات عميقة، فهو لون ارتبط بالجنة كما ورد في القرآن الكريم، ويرمز للحياة والبركة والسكينة. ويُقال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب هذا اللون ويختاره في لباسه ورايته، مما جعله عبر الزمن رمزاً يعبر عن المحبة والفرح بمولده الشريف. لذلك اعتاد الناس أن يجعلوا الأخضر عنوان زينتهم واحتفالهم، ليضفي على المناسبة روح البهجة والقداسة معاً.
الفرق الإنشادية وحلقات الذكر
الأحياء القديمة، وخاصة في دمشق وحلب وحمص، تشهد في هذه الأيام توافد الفرق الإنشادية التي تؤدي الابتهالات والمدائح النبوية. أصوات الدفوف تمتزج بالترانيم الروحانية، فتبعث في النفوس حالة من السكينة والفرح معاً. هذه الفرق لا تؤدي دورها الفني فقط، بل تحافظ على إرث ديني وثقافي متجذر في الذاكرة السورية، وفي بعض الجوامع تستمر حلقات الذكر حتى ساعات متأخرة من الليل، حيث يجتمع الحاضرون على تلاوة القصائد التي تمجّد السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم.
الحلويات: حلاوة المناسبة
لا يمكن الحديث عن المولد النبوي في سوريا دون التوقف عند الحلويات التي ترافق هذه المناسبة. في أسواق دمشق، تصطف بسطات تبيع “المشبك” و”المعروك” وأقراص “الملبن”، بينما تتفنن ربات البيوت في تحضير أصناف أخرى كالمهلبية أو الحلاوة بالطحين. الحلوى هنا ليست مجرد طعام، بل رسالة فرح توزّع على الأطفال والجيران كجزء من روح المشاركة.
أوضح العم جهاد حافظ، صاحب محمصة في ريف دمشق، أن حركة الأسواق في هذه المناسبة تكون نشيطة جداً، وخاصة في الأرياف حيث يقبل الناس بكثرة على شراء السكاكر، كما يقدم كبار التجار في دمشق تخفيضات خاصة في هذا اليوم.
وأضاف العم جهاد يبلغ من العمر 54 عاماً، أن العاصمة دمشق تشهد حركة أكبر بكثير، إذ يحتاج أصحاب المحامص إلى حجز طلبية الملبس ــ الحلويات المشهورة المرتبطة بالمولد النبوي الشريف ــ قبل شهر كامل بسبب كثرة الطلب عليها، حيث تُحضَّر عادة على شكل صُرر وتوزَّع مع السكاكر. وأكد أن أكثر الأنواع المطلوبة في هذه المناسبة هو الملبس المعروف باسم بيض الحمام، وغالبية الناس يكتفون بشراء الملبس والسكاكر، بينما يضيف بعضهم قطع الشوكولا إلى التوزيعات. واختتم حديثه بالقول: “كل سنة تبقى الحركة كما هي، بل على العكس، يزداد الإقبال عاماً بعد عام.”
في المقابل، يشير أبو عمر رجب، تاجر يبلغ من العمر 60 عاماً في سوق البزورية بدمشق، إلى أن حركة السوق هذا العام جيدة لكنها أقل قليلاً من السنة الماضية، خصوصاً في مبيعات الملبس والحلويات مثل الشوكولا والفواكه المجففة والسكاكر. ويؤكد أن أكثر ما يطلبه الزبائن هو الملبس ذو القشرة الخفيفة (قليل السكر ولونه أسمر)، إضافة إلى السكاكر مثل “سكاكر الصباح”. ويرى أن الإقبال تراجع عموماً نتيجة الضائقة المالية، إلا أن للمناسبة دوراً اجتماعياً بارزاً ما زال حاضراً بقوة، إذ يضع أصحاب المحلات في أكثر من حي مكبرات الصوت ، الأناشيد الدينية وتلاوة القرآن، في مشهد حضاري يبعث على الألفة ويزيد أجواء الفرح مقارنة بالسنوات السابقة.
بين الماضي والحاضر
على الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، بقي المولد النبوي مساحة ضوء في حياة السوريين. المساجد لا تزال تزين بالمصابيح، والأناشيد ما زالت تُتلى في الساحات، والناس لا يترددون في مشاركة بعضهم البعض الفرح والبركة. إنه يوم يعيد وصل الناس بجذورهم الاجتماعية، ويمنحهم لحظة سلام يحتاجونها وسط ضجيج الحياة. وهكذا يبقى عيد المولد النبوي في سوريا أكثر من مجرد ذكرى سنوية، فهو مساحة تلتقي فيها الروحانية بالمحبة، ويجتمع فيها الناس على الخير والفرح. إنه مناسبة تجدد الأمل في القلوب، وتؤكد أن الاحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم هو احتفال بالقيم التي جاء بها، قيم الرحمة والتآخي والبساطة التي تمنح للحياة نكهتها الأجمل.





أضف تعليق