أكد الباحث الفرنسي المتخصص في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، سيدريك لابروس، أن المفاوضات التي جرت مؤخرًا بين إسرائيل وسوريا بوساطة أميركية قد فشلت تمامًا، مشددًا على أن الحديث عن “أجواء إيجابية” من قبل المسؤولين الأميركيين لا يمتّ إلى الواقع بصلة، بل إن التوتر بين الطرفين لم يكن بهذه الحدة منذ عقود، رغم التقارب النسبي الذي شهدته العلاقات مؤخرًا.

وأضاف لابروس أن “ما جرى في الكواليس يُظهر أن إسرائيل كانت تطالب بشكل واضح بـ نزع السلاح بالكامل من جنوب سوريا، في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، ورفضت رفضًا قاطعًا وجود أي قوة مسلحة في منطقة جبل العرب”، مشيرًا إلى أن هذه المطالب ليست جديدة بل طُرحت مرارًا في الأشهر الماضية.

وقد رفض الوفد السوري هذه الشروط واعتبر أن التفاوض على أساسها لا يُعد تفاوضًا حقيقيًا، بل محاولة لفرض شروط مسبقة غير مقبولة، مما دفع دمشق إلى التشكيك بجدوى الحوار أصلًا.

أميركا وإسرائيل.. وحدة علنية وخلافات خفية

وأوضح لابروس أن هناك تباينًا متزايدًا بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي فيما يخص سوريا، لكن واشنطن – رغم ذلك – لا تجرؤ على معارضة مطالب تل أبيب بشكل علني، بل تكتفي في أفضل الأحوال بـ”تهدئتها” دون تحديها. وقال: “حتى عندما انتقد الأميركيون الغارات الإسرائيلية مؤخرًا، عادوا في نفس اليوم للمطالبة بانسحاب الجيش السوري من جبل العرب، وهو بالضبط السبب الذي دفع إسرائيل لشن الضربات الجوية”.

وأضاف أن الحديث عن استمرار التفاوض بين سوريا وإسرائيل كما أشار إليه المبعوث الأميركي توم باراك ليس إلا محاولة لحفظ ماء الوجه، فـ “الولايات المتحدة باتت طرفًا غير محايد، بل تحولت إلى قاضٍ وخصم في آنٍ واحد، بسبب علاقاتها العميقة مع إسرائيل، على الرغم من دعمها العلني لتطبيع العلاقات مع السلطة السورية الجديدة”.

فرنسا كبديل محتمل.. وتركيا شريك خفي لتل أبيب

واقترح لابروس أن تلعب فرنسا دور الوسيط البديل، لما تتمتع به من استقلالية نسبية عن تل أبيب، مشيرًا إلى أن الموقف الفرنسي من الأراضي الفلسطينية يُظهر استعدادًا أكبر للعب دور أكثر توازنًا. لكنه أشار إلى أن التحديات أمام باريس أيضًا كبيرة.

ولفت إلى أن مطالب إسرائيل بنزع السلاح من كامل جنوب سوريا حتى ما بعد دمشق، تجعل من الصعب جدًا الحديث عن تقارب فعلي بين دمشق وتل أبيب في المدى المنظور، خصوصًا بعد ما جرى في السويداء مؤخرًا.

وفي سياق متصل، نفى لابروس ما يُشاع على مواقع التواصل الاجتماعي حول وجود تصعيد تركي ضد إسرائيل، مؤكدًا وجود تفاهمات غير معلنة بين أنقرة وتل أبيب على تقاسم النفوذ في سوريا. وأوضح أن أقصى نقطة جنوبية تطالب بها تركيا لتمركز قواتها هي تدمر، أي خارج المنطقة الجنوبية التي تطالب إسرائيل بنزع سلاحها، وهو ما يشير إلى تقاسم فعلي للنفوذ بين الجانبين.

سوريا.. عودة إلى منطق مناطق النفوذ الدولية

وختم الباحث تصريحه بتشبيه الوضع الحالي في سوريا بما حدث في إيران مطلع القرن العشرين، حين قسمت بريطانيا وروسيا البلاد إلى مناطق نفوذ عبر اتفاقية سانت بطرسبرغ عام 1907. وأضاف: “ما نراه اليوم في سوريا هو تقاسم للنفوذ بين قوى كبرى، في صورة تكرّر مشهدًا تاريخيًا. الفرق فقط أن الدور الاقتصادي فيه تتصارع عليه اليوم السعودية وتركيا، بدلًا من القوى الاستعمارية التقليدية”.

أضف تعليق

Trending