تدخل “ريم” العام الثالث لها في دراسة الماجستير في جامعة دمشق منذ شهرين (فضّلت عدم ذكر كليتها حفاظاً على خصوصيتها) بعد معاناة خلال دراستها ومرورها بعقبات أكاديمية وظروف شخصية حالت من حصولها على الدرجة العلمية خلال عامين كما هو من المفترض عالمياً، فالتعاون الجيد الذي تقدّمه الكليات من أساتذة وإداريين لطلبة الدراسات العليا يصطدم بقلّة المراجع العلمية و”الرتم الطبيعي” لوصول أوراق الموافقة على العنوان البحثي، إلى جانب صعوبات في السنة التمهيدية زادت من تأخيرها مع طلبة آخرين، تقول ريم لـ”الدليل”: “أنا طالبة من محافظة أخرى كانت السنة التمهيدية مذلّة في بعض المواد وصعبة.. من ناحية الدراسة بعض المواد فيها تحدي ومتعة، وبعضها تكون عصيّة على الفهم بكل ما لها من معنى للكلمة، مثلاً مادة المناهج والتحليل الاحصائي هي صعبة جداً علينا كطلاب في كلية نظرية وأدبية، وبالرغم من كل هذه التحديات خُلق داخلي إحساس للإكمال والمتابعة”، وتشير ريم إلى أنّ أوراقها بقيت شهرين حتى عادت من مبنى الرئاسة إلى ديوان الكلية.

“إن كانت أبحاثنا ترفع من قيمة وترتيب الجامعة لماذا لا يتم تشجيع طلاب الدراسات العليا وتقديرهم؟ من المستفيد من كل هذا التأخير؟ هناك كم من التعقيدات الإدارية غير الضرورية فلماذا لا تتوفر طرق تخفف من الضغوط على طالب الماجستير والدكتوراه”، بهذه الكلمات يصف حذيفة – طالب ماجستير في جامعة دمشق لـ”الدليل”، ما مرّ به منذ فترة تسجيله لدرجة الماجستير وحتى اليوم، إذ عانى من شحّ مراجع المعلومات وصعوبة في الحصول عليها، ويضيف: “ضغط الماجستير بكفة وتعب الوصول للمصادر والكتب والبحوث العالمية في كفة أخرى”، فغالب المواقع التي توفر المراجع والمصادر والأبحاث العلمية محظورة بسبب العقوبات المفروضة على سوريا منذ ما يزيد عن 10 سنوات، وعادةً ما يستخدم الطلبة برامج تكسر الحظر (كاسر بروكسي) حتى يُسمح لهم بتنزيل الكتاب أو الحصول على نسخة من البحث أو الورقة العلمية المشابهة للفكرة، “وفي أحسن الأحوال لا يكون الموقع محظور لكن يُطلب الدفع الإلكتروني فيه وهنا أتعطل لأسابيع لأبحث عن طريقة لشرائه أو للحصول عليه بلا ثمن.. لي ما يقارب الـ 3 سنوات ونصف في هذه المرحلة – مرحلة الماجستير – ولا أظن أنني سأحصل على هذه الدرجة هذا العام”.

في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها سوريا منذ أكثر من عقد، تأثر القطاع التعليمي في الجامعات السوريّة بشكل كبير، وخصوصاً في مجال الدراسات العليا، إذ تعاني الجامعات الحكومية من شحّ في الموارد، أثّر على جودة المكتبات ومراكز الأبحاث، حيث خلّف الحصار الثقافي معاناة في توثيق المعلومة ومواكبة آخر النظريات العلمية وصعوبة في الحصول على الكتب والبحوث المنشورة في الدول العربية والأجنبية، كما شهدت السنوات الأخيرة هجرة كبيرة للأساتذة والباحثين إلى خارج البلاد بحثاً عن ظروف أفضل، مما سبب ضغطاً ملحوظاً على جودة الإشراف الأكاديمي وتوجيه طلاب الدراسات العليا وعدد البحوث والدراسات التي من شأنها رفع ترتيب الجامعات السورية بين الجامعات العالمية.

جامعة دمشق والحرب

شهدت جامعة دمشق تقلبات في عدد البحوث المقدمة خلال السنوات الأربع عشرة الماضية. ففي الفترة ما قبل 2011، كان العدد في تزايدٍ مستقر ثم انخفض العدد خلال الفترة (2011-2018) ليعود للارتفاع قليلاً في الفترة (2019-2023). حيث وصل العدد الإجمالي في عام 2024 إلى حوالي 1253 بحثاً موزعين (دراسات عليا للطبيات (316) وماجستير (697) ودكتوراه (240))، بحسب ما صرّح به المكتب الصحفي للجامعة لـ “الدليل”.

وواجهت الجامعة تحدياتٍ جسيمة بسبب العقوبات الاقتصادية، أبرزها تعقيدات في استيراد الأجهزة والمعدات البحثية الأساسية وبعض المواد اللازمة للأبحاث، وصعوبة الاشتراك في قواعد البيانات العالمية. كما تأثرت قدرة الباحثين على المشاركة في بعض المؤتمرات الدولية. وأدت العقوبات إلى عزوف العديد من الجامعات عن التعاون البحثي مع جامعة دمشق. يضيف المكتب الصحفي للجامعة: “تشجع مديرية البحث العلمي والدراسات العليا في جامعة دمشق الطلاب على الانخراط في البحث العلمي من خلال تنظيم المديرية ورش عمل مع القطاعات الصناعية والاقتصادية إلى جانب نشاطات يتم إحداثها في الكليات، ووفق التوجه الجديد لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ستعمل الجامعة على توفير اشتراكات محدودة في قواعد البيانات العلمية العالمية”.


عقوبات وصعوبات مادية

يمضي العديد من طلبة الدراسات العليا وقتاً مضاعفاً في البحث عن مصادر أو مراجع تفيدهم في البحث العلمي، بينما يضطر آخرون لأخذ وقتٍ أطول عن المعتاد بسبب ظروف اقتصادية ومنها تكاليف استخراج النتائج أو التحليل الإحصائي أو الوصول لعينة وتوزيع الاستمارات أو إجراء تجارب خاصة بالورقة البحثية، يقول جوان طالب في كلية الفنون الجميلة – جامعة دمشق لـ “الدليل”: “لي أصدقاء في دول عربية وأجنبية وحاصلون على درجة الماجستير، لديهم وصول ممتاز لمراجع ومصادر سواءً في داخل الكلية أو خارجها ولديهم وصول للمصادر الدولية إذ تتعاقد جامعاتهم مع جامعات ومكاتب ضخمة فيها مئات وآلاف المراجع التي تفيد الطالب”. ويشير جوان إلى أنه خلال التسجيل على العنوان لم تعد الأوراق في فترة قصيرة بسبب ورود أخطاء أو نواقص في الأوراق المطلوبة ولذا ضاع شهران من دون إجراء أي خطوة هامة في البحث.

ويضيف جوان: “كان حماسي في البداية كبيراً مثل أي طالب في هذه المرحلة يظن أنه يحصل على هذه الدرجة في عامين لكن في أقل تقدير أحتاج لثلاثة أعوام وربما أكثر لعقباتٍ تقف في طريقي منها المصادر و”السيمينارات” المرحلية والتكاليف المادية المتعبة، مع أنني سجلتُ على حاجتي لمبلغ معين كتكاليف للبحث لم أحصل على مقابل كتعويض حتى الآن”.

آلية التعويض

تقدم جامعة دمشق دعماً مادياً لأبحاث الماجستير (10 مليون ليرة سورية) ولأبحاث الدكتوراه (20 مليون ليرة سورية) بما يحتاجه البحث من مواد وتجهيزات واختبارات – بعد انتهاء البحث ومناقشته – مع إمكانية رفع الدعم حسب حاجات بعض الأبحاث النوعية والدعم الكبير لأبحاث المعيدين والموفدين. إضافةً إلى دعم الباحثين من أعضاء الهيئة التدريسية والفرق البحثية في جامعة دمشق. ويُمنح طلاب الدراسات العليا مكافآت مالية رمزية للنشر في المجلات العلمية المصنفة، مع تفاوت المبالغ حسب تصنيف المجلة (من 5 مليون الى 1 مليون) حيث توفر دعماً جزئياً لرسوم النشر في المجلات العلمية المحكمة، حيث أنّ النشر في المجلات العلمية المصنفة عالمياً يزيد من عدد الاستشهادات البحثية للجامعة، وهو معيار أساسي في معظم التصنيفات الدولية. كما أن جودة الأبحاث وتأثيرها العلمي يحسن سمعة الجامعة الأكاديمية وهو أيضاً من معايير التصنيف الدولية. بالإضافة إلى ذلك، يساهم التعاون البحثي مع مؤسسات علمية مرموقة في تعزيز مكانة الجامعة.

تأخير روتيني

تعمل مديرية البحث العلمي كبوابة بين الكليات ومجلس البحث العلمي لتمرير قرارات مجالس الكليات إلى مجلس البحث العلمي، لكن القرارات تحتاج إلى وقت وهذا ما يشكّل تأخيراً روتينياً من أهم أسبابه هي “المركزية” في اتخاذ بعض القرارات التي تتطلب موافقات المجالس، بالإضافة إلى نقص عدد الكوادر الإدارية لمعالجة الأعداد الكبيرة من ملفات أبحاث الدراسات العليا التي يتم استقبالها أسبوعياً من جميع كليات جامعة دمشق وفروع جامعة دمشق ومعاهدها، إلى جانب عدم اكتمال ملفات التسجيل او أخطاء جوهرية في استمارات الأبحاث وغيرها من الأسباب. وبحسب ما توضحه المديرية لـ “الدليل” فإن جامعة دمشق تعمل حالياً على “رقمنة” بعض هذه الإجراءات في مكاتب الدراسات العليا في الكليات لتسريع عملية التسجيل والدعم الإداري للباحثين، ومع هذه التحديثات ستُختصر مدة الشهرين التي تُبقي الأوراق في مباني الجامعة.

مخططات قادمة

تشير جامعة دمشق لـ”الدليل” إلى أنها تسعى إلى تنفيذ خطة تطويرية في الجانب البحثي لتعزيز البنية التحتية للبحث العلمي من خلال تحديث التجهيزات، وزيادة التعاون مع الجامعات العربية والدولية في المشاريع البحثية المشتركة. إلى جانب تبسيط إجراءات النشر الخارجي من خلال انشاء وحدة دعم النشر الأكاديمي الدولي في جامعة دمشق حيث سيُقدم استشارات للباحثين حول اختيار المجلات المناسبة ومراجعة الأوراق قبل إرسالها واجراء معسكرات بحثية مكثفة، وتوضح الجامعة إلى أنها تعمل على خطط جديدة لتغيير سياسة القبول في الجامعة ومعايير القبول لدرجة الدكتوراه على مستوى الجامعات كافة في الجمهورية العربية السورية دون الإضرار بحق من يمتلك القدرات للتسجيل بالدكتوراه، أو تخفيض المستوى العلمي للشهادة.

رغم كل التحديات، لا تزال الجامعات السورية قادرة على إنتاج أبحاث علمية قيّمة إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة، إذ ارتفع تقييم الجامعة وترتيبها بين الجامعات الدولية أكثر من مرة خلال السنوات الماضية بجهود الباحثين من طلبة وأساتذة، فالارتقاء بجودة الدراسات العليا ليس خياراً فحسب، بل ضرورة لضمان مستقبل التعليم العالي في سوريا، وجذب الطلاب الدوليين، وتحسين التصنيف العالمي عن طريق خلق بيئة أكاديمية محفّزة تستثمر العقول السوريّة في سوريا الجديدة.

الدليل – سوسن طه

أضف تعليق

Trending