يأتي عيد الأضحى ليحمل معه دفء الذكريات وعبق الطقوس التي توحد السوريين في مشاعرهم وأحلامهم، بغض النظر عن اختلاف المدن والبيوت. إنه العيد الذي يخلق فسحة من الفرح وسط الحياة بكل ما فيها من تحديات، فتجد العائلات تستعد له بحب، وكأنه موعد منتظر يعيد ترتيب القلوب ويجمع الأهل والأحباب حول مائدة واحدة.
فإذا كنت من عشاق استرجاع الذكريات فدمشق هي المكان، حيث تتسلل رائحة الفتة إلى الأزقة القديمة، حيث تجتمع العائلات حول مائدة العيد في لقاء لا يخلو من الدفء والضحكات. يبدأ النهار بصلاة العيد في الجامع الأموي، حيث تمتزج أصوات التكبير بدموع المصلين، بعضهم يدعو لأحباء فقدهم، وآخرون يتشبثون بالأمل بأن يأتي عيد قادم يحمل معه الخير والسلام. لا يخلو العيد من لحظات الحنين، فكل زقاق في دمشق يحمل قصة وكل باب يُفتح لاستقبال الضيوف يحمل معه تاريخًا من المحبة والتآلف.
ومن ينتظر العيد لتناول المعمول عليه زيارة حلب، فهذه المدينة تستيقظ على صوت الأطفال الذين يرتدون ملابس العيد الجديدة، يركضون بين البيوت بحثًا عن العيدية، بينما تنشغل الجدّات بعجن المعمول وتحضيره بعناية وكأن كل حبة تحمل بين طياتها سنوات من الذكريات. الأضاحي هنا ليست مجرد طقس، بل هي تعبير عن التكافل، حيث يتشارك الجيران اللحم، ويتبادل الأحبة الزيارات في أجواء مليئة بالمودة.
والمدينة التي تخلق أجواء خاصة بها من المؤكد أنها حمص، قلب سورية، منذ صباح اليوم الأول من العيد تمتلئ الشوارع بالمصلين الذين تتشابك أيديهم بالدعاء، ليبدأ نهار من الفرح الذي لا يعكره شيء. المشهد الأجمل هو الأطفال الذين يهرعون إلى السوق بعد الصلاة، تتألق عيونهم وهم يتأملون الألعاب والحلوى، وفي البيوت تجتمع العائلات لتناول “المعلاق”، بينما تتعالى الضحكات وتنسج لحظات ستبقى محفورة في الذاكرة
وعنوان الكرم السوري هي دير الزور، فالعيد ليس مجرد مناسبة بل هو احتفال بروح الجماعة التي تجمع أبناء المدينة. الأضاحي هنا توزع على المحتاجين، والبيوت تفتح أبوابها للجميع، في مشهد يعيد تعريف معنى التكافل الحقيقي. لا شيء يضاهي فرحة الأطفال عندما يتذوقون الكليجة الطرية التي تحضرها الأمهات بحب. يمر العيد، لكن دفء اللقاءات يبقى.
والطقوس الغريبة تراها في مدينة الرقة، العيد هناك يبدأ قبل أيام، حيث تعج الأسواق بالألوان، وتزدان البيوت بالزينة التي تتغير مع كل مناسبة. تنظيف البيوت وتحضير أطباق الثريد والسييايل يصبح طقسًا يشارك فيه الجميع. عندما يحلّ العيد، يصبح كل باب مفتوحًا لاستقبال الأحباب، وتتحول المدينة إلى لوحة من الفرح، حيث تتعالى أصوات الضحك وتبادل الهدايا بين الأهل والجيران.

البحر وأجواء العائلة هكذا تحتفل كل من طرطوس واللاذقية بالأعياد الممتزجة بنكهة الشاطئ والحنين للماضي، حيث يفضل الكثيرون قضاء العيد على الشواطئ بعد أداء الطقوس الدينية. تبدأ الاحتفالات بصلاة العيد في المساجد، ثم يتوجه الأهالي إلى زيارة القبور وقراءة الفاتحة على أرواح أحبائهم، ووضع باقات الريحان على قبورهم. العيد هنا ليس مجرد مناسبة، بل هو فرصة لصلة الرحم، حيث تجتمع العائلات في بيت كبيرهم لتناول وجبات الطعام التقليدية مثل الكعك والمعمول، وسط أجواء من المحبة والفرح. الأطفال يحظون بفرحة خاصة، حيث تُعلق المراجيح في الأزقة الشعبية، وتتحول الشوارع إلى ساحات للعب والمرح.
قهوة السويداء طقس أساسي ليكتمل الفرح في العيد، حيث يستيقظ الأهالي على صوت المهباج الذي يطرب الآذان أثناء طحن البن. هذه العادة المتوارثة تعكس روح الضيافة والكرم، حيث تُقدم القهوة للزائرين المهنئين بالعيد. كما يحرص الأهالي على زيارة العائلات التي فقدت أحد أحبائها، وخاصة أسر الشهداء، للتأكيد على وقوف المجتمع إلى جانب بعضه البعض في الأفراح والأتراح.
الأجواء الشعبية لا تزال حتى اليوم في حماة، فالعيد يحتفظ بنكهته الخاصة، حيث يحرص الأهالي على زيارة قلعة المدينة بعد صلاة العيد، حيث تنتشر المنتزهات الشعبية لتناول القهوة والنرجيلة وسط أجواء احتفالية مميزة. كما أن صناعة الحلويات مثل البرازق وكعك العيد تعد من الطقوس الأساسية، حيث تتنافس العائلات في إعداد أفضل الحلويات وتقديمها للضيوف خلال أيام العيد.
وعندما تصل للشمال السوري سترى الحسكة تضج بالحياة، الأسواق تنبض بالحياة استعدادًا للعيد، وأصوات الباعة المتجولون وتصدح بالنداءات المتنوعة. وتحرص النساء على إعداد أطباق مثل “السمبوسك” و”الكبب العربية”، إلى جانب الشاكرية والبامية التي تحضر بقوة في العيد.
المدينة الأغرب هي درعا، التي تستغل العيد وتحوله لعيد للتسامح والمنافسة في صنع البرازق وكعك العيد، حيث تتنافس العائلات في إعداد أفضل الحلويات وتقديمها للضيوف خلال أيام العيد. كما يحرص الأهالي على إنهاء أي خلافات بين الجيران والأقارب قبل العيد، مما يعزز روح المحبة والتسامح في المجتمع.
رغم المعاناة القنيطرة تحافظ على عاداتها في العيد، و لا يزال الأهالي يحافظون على تقاليد العيد. تبدأ الاحتفالات بصلاة العيد في المساجد، ثم يتوجه الأهالي إلى زيارة القبور وقراءة الفاتحة. كما يحرص السكان على ذبح الأضاحي وتوزيعها على المحتاجين، ويتميز العيد في القنيطرة بجلسات السمر العائلية التي تتخللها قصص عن تاريخ المنطقة وأحداثها.
العيد ذكريات ومحبة تبقى

مهما كان الواقع صعبًا، يظل عيد الأضحى في سوريا مناسبة تجمع القلوب وتحيي الأمل في النفوس. بين صلاة العيد وزيارات الأقارب وتحضير الأطباق التقليدية، هناك لحظات من الحب تتكرر كل عام، تروي قصص الأجداد للأحفاد، وتنسج معاني الفرح في أبسط التفاصيل. العيد ليس فقط طقسًا دينيًا، بل هو وعدٌ بأن البهجة يمكن أن تتسلل إلى القلوب رغم الحرب التي آلمت السوريين لسنوات.





أضف تعليق