انتصار عطية – الدليل

سقط الأسد وما زالت آمال الشعب السوري كبيرة بالتحسن والتطور على جميع الأصعدة: اقتصادياً، ومادياً، ومعيشياً، وحتى نفسياً.

لكن الواقع يقول غير ذلك، فلم يلمس المواطنون فرقاً واضحاً على معظم الأصعدة حتى الآن بعد حوالي 7 أشهر على سقوط النظام، وعودٌ وكلام في الهواء، وانتظار من قبل السوريين بصبر ربما ينفد يوماً ما. 

يقول البعض: من الممكن إعطاء الوقت للحكومة المؤقتة وقتاً لرفع مستوى البلاد نحو الأفضل في كل المجالات، باستثناء الصحة، فواقع الأدوية سيء، والصيادلة يشتكون من الغرامات، وقلة المبيعات، وسوء واقع عملهم بشكل عام بعد السقوط.

قبل السقوط كما بعده

من أهم المشكلات التي كان يعاني منها خريج كلية الصيدلة في سوريا هي خدمة الريف بعد إنهائه للدراسة، وهذه المشكلة ما زالت قائمة. وقالت الصيدلانية نور لمنصة الدليل:

    “خدمة الريف مدتها سنتان، وهو قانون مفروض من قبل نقابة الصيادلة منذ حكم الأسد، وكنا نأمل تغييره ولكن دون جدوى. يُمنع تشغيل أي صيدلاني دون أن يكون قد أتم خدمته في الريف، وتسعون في المئة من خريجي الصيدلة لا يستطيعون الخدمة بسبب إقامتهم في المدينة، لكن لا حيلة في اليد. كل الطلبات التي تُقدَّم للنقابة لإلغاء هذه الخدمة يكون مصيرها الرفض.”

أما الدكتور عمر فقال:

    “أعداد الخريجين كبيرة، وفرص العمل قليلة، وتوظيف أشخاص غير خريجين في الصيدليات يؤثر علينا بشكل كبير. لذلك لا بد من وضع قانون يمنع هؤلاء من العمل دون شهادة صيدلة، وضبط هذه الظاهرة، حفاظًا على صحة الآخرين، ولتوفير فرص عمل للصيادلة.”

غرامات كبيرة، وقوانين صارمة، ومبيعات قليلة

كان أمل الصيدلاني السوري أن تنخفض الغرامات بعد سقوط النظام، لكن أمله خاب. وقال عمر:

    “الغرامات والرسوم ارتفعت إلى الضعف، وأصبحت 300,000 بعد أن كانت 130,000، ويتم دفعها حاليًا بالدولار. والأمر لا يتوقف هنا، فتعدد الصنف الدوائي لكثير من المعامل يشكل عبئًا ماديًا على الصيدلي، والشركات غير ملزمة بتبديل الأدوية منتهية الصلاحية، كما هو معروف في جميع البلاد، مما يضطر الصيدلي لتصنيفها كأدوية تالفة.”

وقالت الصيدلانية سوزان في محافظة حلب:

    “النقابة سابقًا كانت تُعفي الصيادلة من الرسوم، لكن الآن تم فرض الرسوم على كل صيدليات حلب، و قرارات النقابة مرتبطة بوزارة الصحة، وليس لها أي سلطة لإصدار قرار مستقل في أي محافظة، بالإضافة إلى فرض وجود جهاز قوارض في كل صيدلية، ومنع وجود أجهزة لقياس الأوكسجين أو ضغط الدم أو السكر.”

وعن وضع المبيعات بعد سقوط النظام، قال الصيدلي بشار:

    “المبيعات في انخفاض بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى المرضى، فأسعار الأدوية مرتفعة جدًا. أما الصيدلية التي تحتوي على أصناف كثيرة ومتنوعة من الأدوية فتكون نسبة مبيعاتها وأرباحها مرتفعة، وهذا مرتبط برأس مال الصيدلي، و أقل مبلغ يجب أن يبدأ به الصيدلي هو 10,000 دولار، ليتمكن من تغطية معظم الأصناف الدوائية، علماً أن رأس المال هذا في تضخم بسبب دخول شركات جديدة إلى السوق من محافظة إدلب، حيث نكون ملزمين بشراء الدواء منها، وبالتالي سيزيد رأس المال.”

وأضاف بشار:

    “ارتفاع أسعار الإيجارات له تأثير كبير، وهو من الأسباب التي تعيق أي خريج جديد وتمنعه من فتح صيدليته الخاصة، مما يضطره للعمل كموظف في صيدلية أخرى.”

الإيجابية الوحيدة: توفر الأدوية

رغم كل السلبيات والمشاكل التي يعاني منها الصيادلة والمرضى، إلا أن الإيجابية الوحيدة هي توفر الأدوية بشكل أكبر الآن، رغم عدم انخفاض أسعارها بشكل كبير.

وقالت الصيدلانية سوزان:

    “الأدوية الغير المتوفرة قليلة جدًا مثل ‘فيلامير’، كما أن الأدوية المزمنة متوفرة دون انقطاع أو فرق في السعر، والسبب في توفرها هو إلغاء الأتاوات التي كانت تُدفع في زمن حكم الأسد.”

وعن وجود الأدوية التركية في سوريا، قالت نور:

    “إنها متوفرة في معظم الصيدليات، مثل ‘يونادول’ و’ماكسوسلين’، وسعره 12,000 ليرة سورية، بينما المحلي سعره 19,000.”

وأضاف الدكتور مضر:

    “الأدوية التركية أكثر مبيعًا حاليًا بسبب فرق السعر الذي يصل إلى 55%، رغم أن صناعتها لا تتفوق على الأدوية السورية.”

وبالنسبة لتأثير رفع العقوبات على واقع الأدوية، قال عمر:

    “لم يكن لها تأثير إيجابي كبير على وضع الصيدليات أو حتى المعامل، ولم تتعامل أي شركات أجنبية مع سوريا حتى الآن.”

مصانع الدواء بين التأثر السلبي والإيجابي

لم تقتصر المشاكل على الصيادلة فقط، بل إن مصانع الأدوية أيضاً تعاني من عدة مشكلات، كما وصفها الصيدلاني يوسف:

    “تعاني المعامل الدوائية من مشكلة رئيسية، وهي قلة السحب منها بسبب الركود، مع العلم أنها كانت في السابق تتعامل مع وزارة الصحة بنظام مناقصات التوريد، والذي توقف بعد سقوط النظام، لكنه يعاود العمل بشكل تدريجي. كما أن هناك معامل شبه متوقفة بسبب ملكيتها لأشخاص كانوا مدعومين من النظام السابق، وأخرى ما زالت متوقفة مثل معمل ‘البلسم’ و’ماجيكو’، بينما عادت بعض المعامل للعمل بعد توقفها لسنوات طويلة مثل ‘ابن رشد’.”

وعن المواد والجودة وآلية التصنيع، قال عمر:

    “التغيير ليس جذرياً، لكن فعالية الأدوية أصبحت أخف، رغم وجود الرقابة والتدقيق، و توجد تعليمات للحصول على الامتيازات والشهادات التي تتيح للمعامل التصدير إلى أوروبا، وليس فقط إلى اليمن والعراق.”

وأضاف:

    “مصادر استيراد المواد الخام هي نفسها قبل وبعد السقوط، من الصين والهند، مع وجود تسهيلات مرتقبة للاستيراد من مصادر أخرى، مثل كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي بعد إزالة العقوبات الأميركية.”

تحسّن العلاقة بين المصنع والصيدلاني

في السابق، كان هناك قيود تفرضها المعامل ووزارة الصحة على الصيدلي في شراء الأدوية، مثل إجباره على شراء أدوية لا يحتاجها، أما الآن فأصبح التعامل أكثر مرونة.

أصبحت ظاهرة إلزام الصيدلي بشراء صنف محدد رغم عدم حاجته إليه نادرة، كما يمكنه الدفع نقدًا أو على دفعات. وبالنسبة للأدوية النفسية والمهدئة، يجب وجود وصفة طبية مع تسجيل بيانات المريض، حرصًا على سلامته.

أضف تعليق

Trending