الدليل – سيدرا عاصي
في زمن تتسارع فيه التغيرات العالمية، يبرز التنوع الثقافي كأحد أعظم الثروات التي تمتلكها المجتمعات. لم يعد التنوع مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أصبح ضرورة إنسانية وحضارية تُسهم في بناء عالم أكثر فهماً وتسامحاً. فهو يعكس فسيفساء من القيم والعادات والتقاليد التي تتفاعل فيما بينها لتشكّل هوية متعددة الأبعاد.
يُعد التنوع الثقافي ركيزة أساسية في تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب. فحين تنفتح المجتمعات على بعضها البعض، وتتبادل الثقافات التجارب والأفكار، تُبنى جسور من الثقة، وتُكسر الصور النمطية التي طالما غذّت مشاعر الخوف أو الرفض.
سوريا : التنوّع الحيّ
لطالما شكّلت سوريا نموذجاً حيّاً لهذا التنوع؛ إذ احتضنت على مرّ العصور طيفاً واسعاً من المكونات العرقية والدينية، من عرب وأكراد وأرمن وآشوريين وشركس ويونانيين، إلى مسلميها ومسيحييها وإيزيديّيها. وقد عاشت هذه المجموعات جنباً إلى جنب في مدن كدمشق وحلب، حيث كان التعايش واقعاً ملموساً تُترجمه الأعياد المشتركة، والمناسبات المتبادلة، والعلاقات المجتمعية المتجذرة.
مع كل ما يحمله التنوع من فوائد، إلا أنه في بعض الأحيان يصطدم بعقبات حقيقية، مثل النزعات القومية المتطرفة أو التعصب الثقافي، مما يهدد استقرار المجتمعات ويؤجج الانقسامات. وهنا تبرز الحاجة إلى سياسات تعليمية وثقافية تشجع على الانفتاح والتسامح، وإلى مؤسسات فاعلة تدعم التعددية وتحميها.
إن التبادل الثقافي لا يقتصر على تبادل الأغاني أو الأطباق التقليدية، بل هو عملية عميقة تُفضي إلى فهم الآخر من الداخل و”كيف” يرى العالم، يبدأ التفاهم الحقيقي. وهذا التفاهم هو السبيل الأنجح لتحقيق سلام طويل الأمد مع الآخر كجزء من نسيج المجتمع..
الثقافة… وسيلة للتقارب
حين يتشارك الناس قصصهم وموسيقاهم ومعتقداتهم بشكلٍ مفتوح، يصبح التواصل أعمق وأكثر واقعية. فالثقافة قادرة على تجاوز الحواجز، خاصة حين يُنظر إليها كوسيلة لفهم خلفيات الناس وتجاربهم لا كاختلافات تثير الانقسام.
في الختام التنوع الثقافي ليس مسألة نظرية، بل هو واقع يعيشه الناس كل يوم. الحفاظ عليه لا يتطلب شعارات، بل أفعال بسيطة تبدأ من احترام الآخر في الحياة اليومية، والاستعداد للاستماع إليه. من خلال ذلك، يمكن أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر قوة حقيقي، يقرّب بين البشر ويمنح المجتمعات القدرة على النمو.





أضف تعليق