خاص – ندى حبّال
“اليوم، الخوف صار أقوى من الشغف، وأقوى من الطموح. ولما بيعلى صوت السلاح على صوت العلم والوعي والثقافة، من الطبيعي نكون رايحين لوضع سيء جداً”. بهذه الكلمات تعبّر آية، طالبة ماجستير في كلية الإعلام بجامعة دمشق، عن مشاعرها تجاه ما يعيشه الطلاب في الجامعات السورية من قلق نفسي وانعدام للأمان، بعد التصعيدات الأمنية الأخيرة في ريف دمشق ومحافظة السويداء.
خلال الأيام الماضية، تداولت مواقع التواصل مقاطع مصوّرة تُظهر مغادرة جماعية لطلاب ينحدرون من محافظة السويداء من المساكن الجامعية في دمشق، حمص، حلب، واللاذقية. جاءت هذه المغادرة إثر تصاعد أحداث العنف الطائفية، والتي بدأت داخل السكن الجامعي في حمص، بعد أن اقتحمت مجموعة من الطلاب غرف زملائهم من السويداء واعتدت عليهم بالضرب، وسط دعوات بالتهديد والقتل، ما أدى إلى إصابة خمسة طلاب على الأقل. إثر انتشار مقطع صوتي مسرّب، نُسب لأحد أبناء السويداء، يُظهره وهو يشتم النبي محمد، قبل أن تعلن وزارة الداخلية السورية زيف الفيديو، مؤكدةً عدم قدرتها على تحديد هويّة الفاعل.
بعد أيام قليلة، وقعت محاولة طعن لأحد الطلاب داخل سكن جامعة حلب، أيضاً على خلفية طائفية، ما عمّق منسوب الخوف والاحتقان، وأدى إلى موجات رحيل جماعي إلى محافظة السويداء، تحت حماية عناصر الأمن وبتنظيم من شركات نقل محلية ومبادرات أهلية. كما وصلت مساء الأربعاء، السابع من أيار، آخر دفعة قادمة من مدينة حلب، وتضم 308 طلاب وطالبات، وذلك بعد دفعات متتالية من جامعات دمشق، حمص، حماة، واللاذقية، بحسب ما نقل موقع “السويداء 24”.
يقول هاني، وهو طالب جامعي لـ “الدليل”: “مع قرب نهاية الفصل واقتراب الامتحانات، كتير من الأهالي قرروا ما يرسلوا ولادهم للجامعات، خوفاً من المضايقات أو الأذى. مطلبنا الوحيد هو الأمان وحل لمشكلة التحريض والعنف بهالأماكن يلي مفروض تكون للدراسة مو للتهديد”. ويضيف أكرم (53 عاماً)، والد طالب يدرس الطب في جامعة حلب، قائلاً: “رجع ابني من الجامعة رغم أنه بيدرس طب، بس ما كان في خيار تاني. حادثة الطعن الأخيرة خلتنا نقرر سلامته أهم من أي شي. ما رح يرجع للدراسة إلا إذا الدولة قدرت تأمّن بيئة آمنة فعلاً”.
وفي هذا السياق، تبيّن آية للدليل عن إحساسها بأن ثلاث سنوات من عمرها في الماجستير قد ضاعت، وعن صعوبة إكمال رسالة التخرج في ظل هذا الوضع: “أنا بمرحلة لازم أكون على تواصل شبه دائم مع المشرف، وهالشي ما بيمشي عن بُعد. الطريق مسكّر، والوضع حساس جداً. بعرف طلاب ناجحين وسنتهم الدراسية توقفت، بس رغم فتح الطريق، ما حدا عم يقدر يرجع بسهولة. من يعيد الشجاعة للعودة؟ ومن يعيد الأمان لقلوبنا؟”. تتشارك نورا، طالبة تخرج في كلية الفنون الجميلة، اختصاص نحت في جامعة دمشق، ومدرّسة في جامعة خاصة، مع آية شعورها بالضياع وانطفاء الأحلام، بعد اضطرارها للنزوح مع عائلتها من حي التضامن في دمشق إلى السويداء. تقول: “اضطرّيت أترك الدراسة والتدريس مع بعض، لأنّي ما بقدر روح عالجامعة، ومن جهة تانية نحنا هلق نازحين وعم ندوّر عبيت وشغل بالسويداء، فالوضع كتير صعب علينا”. وعن إمكانية العودة إلى حيّهم: “ما رح نرجع للتضامن بسبب التهديدات والتحريض الطائفي، بس ممكن أرجع للدوام بالجامعة إذا الطريق صار آمن”. وتختم بمرارة: “أنا كاتبة سينمائية وروائية، والصراحة إنو كل الأحلام عم تموت فينا شوي شوي”.
ليسوا وحدهم: طلاب آخرون في العزلة والخوف

لم يكن طلاب السويداء وحدهم في الامتناع عن الذهاب إلى الجامعات أو الإقامة في السكن الجامعي، فقد سبقهم كثيرون من طلاب منطقة الساحل وأرياف حماة وحمص، الذين اضطروا للانقطاع عن الدراسة لأسباب متعددة، أبرزها الضيق المادي المتزايد لدى العديد من العائلات، إضافة إلى تدهور الوضع الأمني، الذي لا يقتصر على الجامعة أو السكن، بل ينسحب على حياة المدينة برمّتها، كما هو الحال في مدينة حمص.
تقول منى (اسم مستعار)، طالبة في السنة الثانية بكلية الهندسة المدنية – جامعة حمص، لـ”الدليل”: “لم أعد أخرج من قريتي في شين بريف حمص الغربي إلى الجامعة، بسبب خطورة الطريق ومرور مركبة النقل بمناطق مقطوعة وخطرة. وأقولها بوضوح: لن أعود للدوام حتى انتهاء عمليات الخطف – للفتيات بشكل خاص – والقتل اللي عم تحصل بأرياف حمص وبالمدينة من قبل مجهولين ملثمين على دراجات نارية”. مشيرةً إلى أن حالها لا يختلف عن كثيرين من طلاب وموظفي القرى المجاورة، الذين توقفوا عن الذهاب إلى الجامعة أو أعمالهم، مفضلين البقاء في منازلهم بعيدًا عن مجازفة يومية لا تُحتمل. وتضيف: “لا أعرف إلى متى سيستمر هذا الوضع، وأشعر بالخوف من الرسوب وخسارة السنة، خصوصًا أنني لا أستطيع متابعة الدروس العملية”.
أما في اللاذقية وطرطوس، فالمشهد لا يبدو أقل خطورة. فبعد المجازر الأخيرة في الساحل، وما تلاها من حالات خطف للنساء ومخاوف من التعرض للمضايقات، قرر عدد من الطلاب إيقاف تسجيلهم أو تأجيل امتحاناتهم، رغم إدراكهم لاحتمال خسارة عام دراسي كامل.
نور (اسم مستعار)، طالبة في سنة التخرّج بقسم الهندسة المدنية في جامعة اللاذقية، تقول لـ”الدليل”: “بتمنى ارجع عالجامعة، بس أهلي رافضين تماماً، وأنا ما بقدر خالفهم. أنا وأختي (طالبة زراعة) ما منقدر نروح لأنو الطريق ما عاد آمن، وخاصةً بمنطقة صلنفة، والحواجز المنتشرة عليه فيها عناصر غريبة ما بتفهم إنو نحنا طلاب رايحين ندرس، لا أكتر ولا أقل”. توضح نور أن مخاوف أهلها تستند إلى حوادث متكررة من الخطف والمضايقات، وتضيف: “الطريق صار مرعب، والحواجز صارت مصدر خوف مو أمان”.
وفي ظل هذا الواقع، يتجه العديد من الشباب إلى إيقاف تسجيلهم والسفر إلى لبنان للعمل، هرباً من خطر حقيقي. تؤكد نور: “كتير من أصدقائي وأقاربهم راحوا على لبنان يشتغلوا، لأنه الوضع صار أخطر عليهم، خاصة بعد المجازر الأخيرة والخطف على خلفيات طائفية”. في المقابل، لا يزال بعض الطلاب يواصلون الذهاب إلى الجامعات رغم المخاوف، لكن بحذر شديد وحيطة في التنقل والاختلاط.
بينما ملاذ، طالبة في جامعة حمص، تقول لـ”الدليل”: “لسا بروح من مصياف للجامعة كل أسبوع، وما رح أوقف حالياَ، لأني مؤمنة إنو ما حدا رح يقرب علي إذا التزمت بغرفتي وبالدوام. ما بدي أخسر السنة”.
صمت رسمي ورسائل استغاثة
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُصدر وزارة التعليم العالي ولا وزارة الداخلية أي بيان أو مبادرة تطمئن الطلاب وأهاليهم، رغم تصاعد موجة من التحريض الإعلامي والإلكتروني ضد طلاب من خلفيات دينية محددة، أو بهدف توظيف سياسي يسعى لإظهارهم كطرف مسؤول عمّا يحدث.
في هذا السياق، صرّح مدير المدينة الجامعية في دمشق، عمار الأيوبي، لموقع “الإخبارية”، اليوم الخميس 8 أيار، أن كل الادعاءات حول وجود طرد أو إجلاء قسري لأي طالب من السكن الجامعي هي “مزيفة”، مؤكدأاً ن المدينة الجامعية لم تشهد أي حوادث عنف أو مشكلات خلال الفترة الماضية، وأن: “الطلاب الذين غادروا المدينة الجامعية غادروا بناءً على طلبهم واختيارهم، ولم يُجبرهم أحد على الخروج”. مضيفاً: “من واجبنا أن نقدم كل التسهيلات لهم، وأن نضمن أمنهم وأمانهم”، داعيًا من غادر للعودة إلى السكن الجامعي.
في المقابل، انتشرت اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي رسالة موقعة باسم طلاب محافظة السويداء، موجهة إلى وزارة التعليم العالي، وإدارات الجامعات، والشخصيات الاجتماعية والدينية، تدعو إلى اتخاذ قرارات عاجلة لحماية الطلاب، وتأمين عودتهم، وتعويضهم عن ما فاتهم من الدراسة والامتحانات. “نكتب لنطالب بحقنا في الأمان قبل التعليم، وفي التعليم دون خوف”، تقول الرسالة، وتتابع: “هل يُعقل أن يصبح الذهاب إلى الجامعة قراراً قد يُنهي حياتك؟ هل هذا هو مصير طالب جامعي في بلده؟ نكتب اليوم، لنقول إننا لسنا بخير، وإن ما يحدث هو شكل من أشكال التمييز الطائفي الخطر”.
هذا الغياب الرسمي لم يقتصر على تصريحات الوزارات، بل انسحب أيضًا على الإدارات الجامعية. تقول آية لـ”الدليل”: “عند اجتماع العميد الجديد لكلية الإعلام مع طلاب الدراسات، وكان النقاش حول التحديات والمطالب، أكثر شيء وجعني إنو ما حدا ذكر أو علّق على وضع طلاب السويداء! هاد شي مجحف، سواء كان طالب واحد أو مية طالب!” وتتابع حديثها: “مين بدو يعوضنا عن كل شي عم نخسره؟ لا في حل رسمي، ولا في توضيح لموضوع الغياب، ولا حدا ملتفت لهي المشكلة الكبيرة يلي عم تمس قطاع التعليم من جذوره!”
حلول ضرورية في وجه الصمت
أمام الصمت الرسمي، تبرز الحاجة الملحّة إلى إيجاد حلول سريعة وعملية، تُمكّن الطلاب من تجاوز الظروف التعليمية القاسية التي يعيشونها، وتحفظ حقهم في التحصيل العلمي، وتمنع ضياع عامٍ كامل من الجهد، خصوصاً مع اقتراب الامتحانات النهائية ريثما يعود الأمان، ومن بين هذه الحلول الممكنة: إجراء الامتحانات الفصلية في محافظات إقامة الطلبة، بإشراف مباشر من أساتذة الكليات، والسماح لطلاب الطب المقيمين بإتمام تدريباتهم في المشافي الجامعية الأقرب إليهم، أو اعتماد الامتحانات عبر الإنترنت، كما هو الحال في الجامعة الافتراضية السورية.
وبرزت مبادرات فردية لأساتذة جامعيين أعلنوا عبر صفحاتهم استعدادهم لتدريس الطلبة المتغيبين، وتقديم الدعم الأكاديمي لهم لحين عودتهم الآمنة، بالإضافة إلى حملات تضامن من نشطاء وطلاب يعملون على إيصال الصوت للوزارة، للمطالبة بحق التعليم الآمن والعادل دون تمييز.
إن الحق في التعليم لا يجب أن يكون معركة، ولا قرار الذهاب إلى الجامعة خياراً محفوفاً بالخوف، ما يطالب به هؤلاء الشباب ليس أكثر من بيئة آمنة، تحفظ كرامتهم، وتمنحهم فرصة لمستقبلٍ لا تصنعه الحرب، بل تصنعه الكتب والجهد والأحلام.
المصدر: الدليل





أضف تعليق