في مشهد يتقاطع فيه العنف مع الإهمال، لا تزال حملات قتل الكلاب الشاردة تتصاعد في عدد من المناطق السورية، وسط صمت رسمي، واستياء شعبي، ومناشدات منظمات حقوق الحيوان في “سوريا الجديدة”، لم تعد الأرواح وحدها تُهدَر في السجون، بل أصبح الحيوان أيضاً ضحية لسياسات القتل الجماعي تحت ذريعة “تنظيم الشوارع” أو “حماية الناس”.

مكابس للنفايات… ومقابر للأحياء!
بحسب توثيقات جمعيات محلية، بدأت بعض البلديات التابعة للإدارة المحلية في دمشق مؤخراً بحملات قتل
ممنهجة للكلاب الشاردة، يتم فيها إما إطلاق الرصاص عليها علناً في الشوارع، أو نقلها حيّة إلى شاحنات النفايات حيث تُكبَس وتُفرم حتى الموت، كما أكدت مصادر محلية أن بعض الجوامع أجازت قتل الحيوانات، مستشهدة بأحاديث نبوية في غير موضعها. في مسجدٍ بضاحية قدسيا مثلاً، عُلّق عنوان الحملة: “إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة”.
إصابات مؤلمة ومعاناة يومية
ذكرت مديرة جمعية “الفريق السوري لإنقاذ الحيوانات – ستار” هنادي المحتسب لـ”الدليل” أن المكان يستقبل يومياً ما لا يقل عن ثماني حالات لكلاب مصابة بإصابات خطيرة، منها بتر أطراف، كسر في الفك، أو حتى رصاص مستقرة في محجر العين، لافتةً إلى غياب أي دعم رسمي أو دولي للجمعية، وأن كل الجهود تقوم على تبرعات فردية محدودة، لا تكفي إلا لتأمين الحد الأدنى من الرعاية، كما دعت إلى نشر التوعية المجتمعية، مشيرة إلى ازدياد الحالات التي يُقدِم فيها أطفال على تعذيب الحيوانات أو حرقها، ما يعكس خللاً تربوياً وثقافياً خطيراً.
من جهته، قال الخبير البيطري بشار سلّمو إن الحملة الأخيرة تُعدّ الأعنف منذ بداية عمله في الطب البيطري عام 2007، وأوضح خلال حديثه لـ”الدليل” أن معظم الحالات الواردة من جوبر، ضاحية قدسيا، والعدوي، مشيراً إلى أن كثيراً من الكلاب لا تموت مباشرة بالرصاص، بل تبقى ساعات في حالة نزاع حتى الموت، ويضيف: “يُطلق الرصاص على الكلاب لكن كثيراً منها لا يموت مباشرة، بل يبقى ينازع لساعات. خلال أسبوع واحد، وصل إلينا أكثر من 15 حالة، بعضها لم يصل حياً، ما يؤلمنا أكثر أن بعضها يُفرم حيّاً داخل مكابس النفايات”، موضحاً: “لسنا نطالب الجميع أن يحبوا الكلاب، لكن نطالب أن يُنظر إليها كأرواح تبحث عن الأمان. أغلب الحالات العدوانية سببها تعنيف البشر لها. إنها لا تؤذي أحداً، بل تهرب خوفاً منّا، وتبحث عن طعامٍ وماء.”
يذكر أن مجموعة من الأطباء والأخصائيين البيطريين، أطلقوا حملة مناشدات لإيقاف قتل الحيوانات، كما أن بعضهم قدم خدماتهم مجاناً لمعالجة الحيوانات التي تعرضت لتسمم أثناء الحملة الأخيرة.

نداءات إنسانية بلا استجابة
أرسلت المحتسب مديرة جمعية “الفريق السوري لإنقاذ الحيوانات – ستار”، كتاباً رسمياً إلى رؤساء بلديات قدسيا وضاحيتها، الديماس، قرى الشام والصبورة، تتضمن خطة متكاملة لإنقاذ الحيوانات الشاردة، من خلال جمعها، تعقيمها، تلقيحها، ترميزها، وإنشاء محميات مخصصة لها. إلا أن هذه المبادرات لم تلقَ حتى الآن أي استجابة من الجهات المعنية، وأكدت أن تلك الكتب الرسمية ما تزال منذ فترة طويلة على مكاتب وزارات الزراعة، الإدارة المحلية، والشؤون الاجتماعية.
مطالب قانونية
وفي محاولة لتفعيل الضغط الشعبي، أطلقت جمعية “ستار” مع مجموعة من الشباب حملة بعنوان: “أنقذوا حيوانات سوريا – وقعوا الآن للمطالبة بقانون يحميها من التعذيب”، تهدف إلى المطالبة بإقرار قانون وطني لحماية الحيوانات من الإساءة، وإنشاء ملاجئ رسمية، وفرض عقوبات رادعة على من يعذّب الحيوانات أو يقتلها.
وفي تصريح لمنصة “الدليل”، أكدت هبة، إحدى الناشطات في حملة ضد قتل الحيوانات في ضاحية قدسيا، أن اهتمامها بالموضوع ليس فقط بدافع العاطفة، بل لأنه معيار إنساني يعكس مدى تطور المجتمع ورحمته. وقالت:
“الألم لا يميز بين إنسان أو حيوان، ولا يمكنني الشعور بالراحة وأنا أشاهد صوراً أو فيديوهات لحيوانات تُقتل بهذه الوحشية.”
وتمنت هبة صدور قوانين تُنهي هذا الواقع المؤلم، واقترحت سنّ قانون فعّال لحماية الحيوانات، وتجريم وتعذيب الحيوانات ومعاقبة الفاعلين بجدية، بالإضافة إلى حملات توعية مجتمعية ومدرسية حول أهمية الرفق بالحيوان، وإنشاء مراكز رسمية لإنقاذ الحيوانات المشردة، بدعم من الدولة.
جمعيات مرخصة تنتظر التعاون
يوجد في سوريا حالياً جمعيتان مرخصتان لحماية الحيوانات هما “ستار” و”سارا”، وتعملان بجهود محدودة للغاية، في ظل غياب أي دعم رسمي أو تنسيق فعلي من الجهات المعنية.
وفي ظل هذه المشاهد المؤلمة والنداءات المتكررة من جمعيات وناشطين وأطباء بيطريين، تبقى الحاجة ملحة لإعادة النظر في كيفية التعامل مع الحيوانات الشاردة في سوريا، فالمسألة لم تعد قضية كائنات تعيش في الشارع فقط، بل باتت مرآة تعكس مدى التزام المجتمع بقيم الرحمة والإنسانية.
عروب حمود – نسيبة موسى





أضف تعليق