مع حلول موسم الكمأة كل عام، تتحول البادية السورية إلى مسرح لمآسٍ متكررة، حيث يسقط عشرات الضحايا، معظمهم من النساء والأطفال، خلال سعيهم لجمع هذا الفطر الثمين. ورغم المخاطر، يواصل السكان، وخاصة من أصحاب الدخل المحدود، المغامرة في البحث عنه، إذ يمثل لهم مصدر دخلٍ لا يمكن تعويضه في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

الكمأة.. كنز الصحراء القاتل

يُعد فطر الكمأة من أغلى الفطريات الصحراوية، وينمو بعد هطول الأمطار في البادية السورية التي تمتد على مساحة 75 ألف كيلومتر مربع، وتشمل أرياف حمص وحماة ودير الزور وشرق الرقة. نظراً لارتفاع ثمنه، يتحول موسمه إلى فرصة اقتصادية لكثيرين، إذ يمكن أن يعادل سعر الكيلوغرام الواحد منه أضعاف راتب موظف حكومي، الذي لا يتجاوز 25 دولاراً شهرياً.

ضحايا الكمأة.. ألغام وخطف وقتل

منذ بداية الثورة في سوريا عام 2011، بات جمع الكمأة رحلة محفوفة بالموت، إذ يلقى عشرات المدنيين حتفهم سنوياً بسبب انفجار الألغام أو هجمات جماعات مسلحة. ووفق تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، تسبب البحث عن الكمأة بمقتل 58 مدنياً عام 2024، بينهم 3 أطفال و12 سيدة، كما سقط 55 شخصاً آخرين، بينهم 9 أطفال و13 سيدة، جراء انفجار ألغام زرعتها جهات غير محددة.

ورغم اشتراط الحصول على موافقات أمنية من النظام السوري أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لدخول مناطق البحث، إلا أن ذلك لا يحمي الباحثين عن الكمأة من مخاطر القتل أو الاختطاف. وتشير مصادر خاصة لـ “الدليل” إلى أن الألغام التي زرعها تنظيم “داعش” في البادية السورية تعد السبب الرئيسي في وقوع الضحايا، إضافة إلى تعرض بعض جامعي الكمأة للسرقة أو التصفية من قبل جماعات مسلحة مجهولة.

احتكار واستغلال

يؤكد سكان محليون لـ “الدليل” أن بعض الجماعات المسلحة فرضت سيطرتها على تجارة الكمأة، مانعة الأهالي من جمعها دون دفع إتاوات مقابل كل كيلوغرام يتم جنيه. وأصبح موسم الكمأة مصدر دخل لهذه الجماعات، التي تجبر العمال على تقاسم العوائد تحت التهديد بالقتل.

وفي حادثة مروعة، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل 16 مدنياً، بينهم تسع نساء، إثر انفجار لغم في شاحنتهم أثناء عودتهم من البحث عن الكمأة في ريف الرقة الشمالي، حيث ينشط تنظيم “داعش”.

لقمة مغمسة بالدماء

قبل عام 2011، كان جمع الكمأة نشاطاً تقليدياً يدر أرباحاً جيدة، لكن اليوم بات محفوفاً بالمخاطر، مع تزايد الصراعات واستمرار انتشار الألغام. كما أدت التكاليف الباهظة للنقل والمحروقات إلى ارتفاع أسعار الكمأة، ما جعلها “لقمة مغمسة بالدماء”، يدفع الباحثون عنها حياتهم ثمناً لها، في بلد يرزح تحت وطأة الأزمات الإنسانية والعقوبات الاقتصادية منذ أكثر من 13 عاماً.

سوسن طه – الدليل

أضف تعليق

Trending