في وقت تغرق البلاد في أزماتها المستعصية، من بينها فوضى انتشار السلاح العشوائي، قد تبدو مشاهدة أحد اليافعين، حاملاً بندقية حربية في السوق، أمراً اعتيادياً، وربما يعتبر البعض نقدها مبالغاً به، لكن أن يكون بائعاً جوالاً أو دلالاً لبيعها هنا علينا التوقف والتفكير ملياً بما أوصلنا لهذه النقطة.

قبيل ساعات من سقوط النظام، بدأت الثكنات العسكرية بالانسحاب تاركةً خلفها أكداساً من السلاح المختلف، هنا بدأت عمليات النهب من قبل شرائح مختلفة، أفراداً ومجموعات، حتى الطائرات الحربية الجاثمة بالمطارات العسكرية لم تسلم من العبث، وخلّفت ضحايا بعد انفجارها، ولعل الصورة التي أظهرت سيارة تحمل هيكلاً لطائرة حربية، جانب مطار خلخلة تعبر عن هذا الوضع لظاهرة اصطلح لها اسم “تعفيش السلاح”.

وخلفت ظاهرة “التعفيش” ضحايا عدة جراء انفجار السلاح بالثكنات أو بسبب القصف الجوي الإسرائيلي لهذه النقاط والمطارات خلال وجود أشخاص داخلها بعد سقوط النظام، ولعل العدد الأكبر كان في ثكنة القلعة بمدينة السويداء بعد انفجار محطة الوقود الخاصة بها بعد أن عُبث بها بهدف السرقة ما نجم عن مقتل 9 أشخاص، إضافة لعدة إصابات وحالات وفاة نجمت عن مخلفات حربية في مناطق عسكرية مختلفة.

ووثق ناشطون مشاهد لأشخاص يشعلون الإطارات تحت صاروخ من بقايا أنظمة الدفاع الجوي، لاستخراج النحاس من كابل عثر عليه، عدا عن حرقهم عدة طائرات بذات الوسيلة، في مطار خلخلة العسكري شمالي محافظة السويداء، الذي كان أحد أكبر القواعد الجوية لجيش النظام السابق.

أمّا المشهد الخطير فهو داخل المطار، حيث انتشار المعدات والمخلفات العسكرية بشكل كبير، وغياب أي جهود لإزالتها أو حتى لعملية منع الدخول العشوائي من المدنيين، الأمر الذي يشكل خطراً كبيراً على حياتهم.

فيما اقتصرت الجهود على ندوات أطلقتها منظمات المجتمع المدني في السويداء، لتحذير المدنيين من المخلفات العسكرية، وسط غياب للفعاليات العسكرية عن إيجاد حلول للثكنات العسكرية المهجورة.

ذخائر وقذائف مرمية على قارعة الطريق وبمكبات النفايات

بعد فرزهم للسلاح المنهوب أضحت الألغام بمختلف أنواعها تشكل خطراً على السارقين داخل المنازل لعدم قدرتهم على بيعها، فيما عملوا على استخلاص البارود من قذائف المدفعية والدبابات وبيع الكيلو بـ 40 ألف، وعمدوا لرمي الألغام على جوانب الطرقات أو بمكبّات القمامة وكان آخرها منذ أيام حين عثر الأهالي على ألغام في مكب للقمامة غربي مدينة السويداء وآخر في بلدة القريا، وتشهد هذه المكبات عمليات حرق بشكل دائم، ما يزيد من مخاطر انفجار هذه الذخائر وتعريض حياة المدنيين للخطر!

وأفادت المعلومات عن وجود قذائف لمدافع هاون وصواريخ مرمية بجانب ثكنات عسكرية في عدة مناطق من محافظة السويداء.

وبحسب مصدر محلي فإن مجموعة أشخاص سحبوا صناديق ذخائر متفجرة من الفوج 504 قرب “طريق الحج”، ورموها على قارعة الطريق وأخذوا صناديقها الخشبية بهدف استخدامها للتدفئة، حينها تواصل أهالي المنطقة مع غرفة العمليات التي أرسلت بدورها مجموعاتها، ونقلت الذخائر إلى مراكز تخزين بعيداً عن المناطق السكنية.

عقلية لا تهتم بمستقبل الأجيال الناشئة

تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي منشورات بيع السلاح بكافة فئاته، فمن نهب مثلاً عشرات الأسلحة الفردية أو صناديق الذخيرة لن يجد طريقة أفضل من دغدغة مشاعر اليافعين بنشره الصور بهدف البيع، ولعل أخطر ما تم نشره بهذا السياق، عرض أحدهم بيع صاروخ تاو مضاد للطائرات؟ أي حماقة وصلنا لها، ألا تكفي أصوات النيران والانفجارات اليومية التي تعرض الأطفال والنساء للهلع، عدا عن خطورة سقوط المقاذيف الطائشة، أو تكديس قذائف فردية بمنازل السكان، أو حتى عدد القتلى الكبير جراء الاستخدام الخاطئ، أليس الحريق الأخير في أحد أحياء مدينة درعا، الذي أدى لانفجار قذيفة داخل منزل سكني وأودى بحياة قاطنيه مثالاً حياً عما يهددنا من هذا العبث؟

هذه العقلية لا تهتم بمستقبل الأجيال الناشئة، ولا تفكر إلا باستمرار عسكرة المجتمع، وتوجيهه نحو ثقافة العنف والسلاح، في ظروف قاسية من الأجدى البحث فيها عن حلول لأزمات عمالة الأطفال، والتسرب من المدارس، وغيرها من الظواهر السلبية.

لا وجود لأرقام ووثائق عن عدد الإصابات والذين قضوا جراء أخطاء السلاح المنفلت والبعض يعتقد أنها نالت من السوريين أكثر ما أخذته الحرب.

هوامش:
▪ في ممرات أقسام المشافي قد تجد العجب، فالسلاح الفردي ظاهر على أكتاف المراجعين والزائرين، ولا شيء يمكن منعه طالما أن العبثية والفوضى لا تزال تدب في شرايين الحياة الاجتماعية في المحافظة، وسلاحهم العبثي هو البطل.

▪ في إحدى المرات تهجّم مسلحون على طاقم الإسعاف مهددين بالموت، وأسعفوا مصاب، وسط تهديدات طالت الأطباء والممرضين في حال فشلوا بالعلاج، ومع الأسف كان الجميع ينظر إلى الحالة بالعجز وضرب اليد باليد.

جودت غانم – خاص الدليل

أضف تعليق

Trending