خاص | آية كيوان
مع اقتراب موعد الـ 30 من تموز، وهو الموعد الذي حدده مصرف سورية المركزي لإنهاء التداول بالأوراق النقدية القديمة، دخلت أسواق محافظة السويداء في أزمة سيولة خانقة، أفرزت على الفور سوقاً موازية تستثمر في حالة الإرباك العام.
وبغياب المنافذ المصرفية الفعالة، بدأ سماسرة بفرض عمولات تتراوح بين 20 و50 ألف ليرة سورية عن كل مليون ليرة قديمة تُستبدل بجديدة. ولم يقتصر التشوه على العمولات، بل امتد فوراً إلى سوق القطع الأجنبي؛ إذ بات الدولار يُباع مقابل الأوراق القديمة بنحو 13500 ليرة، بينما ينخفض سعره إلى 13000 ليرة عند الدفع بالعملة الجديدة، في مؤشر خطير على حجم التشوه الاقتصادي الذي ضرب المحافظة في أيام معدودة.
لا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن واقع السويداء؛ ففرع المصرف المركزي في المحافظة معطل عملياً منذ أحداث تموز من العام الماضي. وهنا يوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الدولية الخاصة، مهيب صالحة، لـ “الدليل”، أن استبدال العملة في الظروف الطبيعية يتم تدريجياً عبر حركة السوق والجهاز المصرفي دون أن يشعر المواطن بأزمة.
ويضيف صالحة أن أزمة السويداء نابعة بالأساس من تعثر عمل الجهاز المصرفي وصعوبة وصول العملة الجديدة، مما خلق فجوة استغلها “تجار الأزمات” لفرض شروطهم وخلق فروقات وهمية في سعر الصرف، مشدداً على أن وجود منفذ مصرفي رسمي كان سيحول دون تحكم هؤلاء بآلية التداول.
ورغم تحديد “المركزي” لعدد من المراكز المعتمدة للاستبدال، بينها فروع شركة “الهرم”، إلا أن مواطنين أكدوا فشلهم في تبديل أموالهم. تقول ياسمين، وهي قابلة قانونية في مشفى السويداء الوطني: “قصدت أحد الفروع، لكن الموظفين أخبروني حرفياً أن تعاملهم مع المركزي لا يعني إلزامهم بتبديل العملة للمواطنين”.
ويشير علاء، صاحب متجر لبيع وتوزيع زيوت التشحيم الخاصة بالسيارات، إلى أن الأزمة دفعت البعض لإرسال أشخاص إلى دمشق، قائلاً: “لم يعد هناك من يبيع دولاراً ولا عملة جديدة داخل السويداء”.
تحت وطأة هذه الفوضى، وجد الكثير من المواطنين أنفسهم مضطرين للتخلص من أموالهم بأي طريقة. فريد (60 عاماً)، الذي يعمل في الزراعة تقاضى مؤخراً أجر أربعة أشهر (نحو مليون ليرة) من فئة الخمسة آلاف القديمة. وبعد رحلة تنقل شاقة بين محال رفضت قبولها، وخشيته من دفع عمولات الاستبدال، اضطر الرجل لإنفاق أجرة 120 يوماً من التعب في ساعات معدودة على مشتريات لم يكن بحاجة ملحة إليها، ليخرج من السوق بلا سيولة نقدية.
امتدت الأزمة لتشمل ممارسات يومية استغلالية؛ إذ بات بعض سائقي النقل العام يعيدون باقي الأجرة بأوراق نقدية مهترئة من فئة الخمسمئة ليرة، بحجة عدم توفر “فراطة” جديدة، فيما علّقت حافلات لافتات تمنع تداول العملة القديمة. في المقابل، تكمن المفارقة في استمرار المؤسسات الحكومية بقبولها، حيث سددت إحدى المواطنات رسوماً بمليوني ليرة في مديرية المالية بالأوراق القديمة دون أي اعتراض.
وبالتوازي، أطلق ناشطون حملات لمقاطعة المحال التي ترفض العملة القديمة، فيما برزت مبادرات محلية لاحتواء الذعر، أبرزها إعلان “محل صرافة صيموعة” استمراره بشراء القطع الأجنبي بالأوراق القديمة بنفس السعر المعتمد للجديدة ودون أي عمولة.
وأمام هذا التخبط، سارعت غرفة تجارة وصناعة السويداء، عقب اجتماع مع التموين والمركز المصرفي، للإعلان عن استمرار التعامل مؤقتاً بالعملة القديمة لدى الفعاليات التجارية والأفران والمحروقات. وبين قرار مركزي، وآلية تنفيذ غائبة، تتحول أزمة استبدال العملة إلى اختبار جديد لقدرة المحافظة على إدارة شؤونها في ظل عزلتها المصرفية.




